تتولوا .
فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
( 32 ) لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم وإنما لم يقل فلا يحبّهم لقصد العموم والدلالة على أن التولي كفر وأنه من هذه الحيثية ينفي محبة اللّه وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين .
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ
( 33 ) بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية ، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم لما أوجب طاعة الرسل وبيّن أنها الجالبة لمحبة اللّه . عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضا
شرح
مضارعا ويكون أصله « تتولوا » فحذف إحدى التاءين ، فعلى هذا يكون الكلام جاريا على نسق واحد وهو الخطاب . قوله : ( وإنما لم يقل فلا يحبهم ) يعني أن مقتضى الظاهر إضمار مفعول يحب لتقدم ذكره مضمرا على أنه فاعل « تولوا » لكنه وضع الظاهر موضع المضمر للعموم ، أما أولا فليتناول اللفظ جميع الكفر فلو أضمر لم يتناول اللفظ إلا لمن كفر بسبب التولي عن إطاعتها ، وأما ثانيا فلأنه لما وضع الكافرين موضع المتولين دل الكلام على أن التولي كفر وعلى أن التولي إنما كان علة لانتفاء محبة اللّه عن المعرضين من حيث كونه كفرا وعلى اختصاص محبته تعالى بالمؤمنين والإضمار لا يفيد هذا المعنى لعدم كونه متعرضا له .
قوله : ( بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية ) متعلق بقوله تعالى :اصْطَفىوهو وإن كان يتعدى بالباء كما في قوله تعالى :اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي[ الأعراف : 144 ] إلا أنه ضمن معنى فضل فلذلك عدي ب « على » حيث قيل : اصطفاهم على العالمين . وعداه المصنف بالباء على الأصل . والاصطفاء في اللغة الاختيار فمعنى اصطفاهم أي صفّاهم من الصفات الذميمة وزيّنهم بالخصال الحميدة وجعلهم صفوة خلقه تمثيلا بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة ، ويجوز في صاد صفوة الحركات الثلاث . وقيل : إن الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية والقوى الروحانية . أما القوى الجسمانية فهي : إما مدركة وإما محركة ، أما المدركة فهي : إما الحواس الظاهرة وإما الحواس الباطنة ، أما الحواس الظاهرة فهي خمس : إحداها القوة الباصرة وكان عليه الصلاة والسّلام مخصوصا بكمال هذه الصفة لقوله عليه الصلاة والسّلام :
« زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها » . ولقوله عليه الصلاة والسّلام : « أقيموا صفوفكم وتأهبوا فإني أراكم من وراء ظهري » ونظير هذه القوة حصل لإبراهيم عليه الصلاة والسّلام قال تعالى :وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ الأنعام : 75 ] وذكر في تفسيرها أنه تعالى قوى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل وليس هذا بمستبعد لأن البصراء يتفاوتون ، فيروى أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام فلا