يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
يوم منصوب بتودّ أي تتمنى كل نفس يوم تجد صحائف أعمالها أو جزاء أعمالها من الخير والشر حاضرة لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهوله أمدا بعيدا . أو بمضمر نحو اذكر . وتودّ حال من الضمير في عملت أو خبر لما عملت من سوء .
وتجد مقصور على ما عملت من خير ولا تكون « ما » شرطية لارتفاع تود . وقرىء ودّت ،
شرح
قوله : ( يوم تجد صحائف أعمالها أو جزاء أعمالها ) إشارة إلى أن إحضار العمل عبارة عن إحضار جزائه أو عن إحضار ما يدل عليه من الصحائف التي كتب هو فيها فإن نفس العمل عرض فلا يمكن إعادته وإحضاره . والأمد الغاية التي ينتهي إليها مكانا كان أو زمانا .
قال السدي : مكانا بعيدا . وقال مقاتل : كما بين المشرق والمغرب . وقال الحسن : يتمنى أحدهم أن لا يلقى عمله أبدا . وقيل : يود أن لم يعمله . والمقصود تمني فقده سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان أو على المكان وأشار بقوله : « من الخير والشر » إلى أن قوله :وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍمعطوف على قوله :ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ .قوله : ( من الضمير في عملت ) الظاهر أن يجعل حالا من ضمير تجد مقيدا بتعلقه « بما عملت من سوء » . والتقدير :
تجد ما عملت من سوء محضرا حال ما تود بعده عنها . ويحتمل أن يكون صفة للسوء والتقدير : وما عملت من السوء تود أن يبعد ما بينها وبينه . قوله : ( أو خبر لما عملت ) أي ويحتمل أن تكون الواو في و « ما عملت » للابتداء لا للعطف ، ويكون « ما عملت من سوء » مبتدأ و « تود » خبره فلما لم يكن معطوفا على مفعول تجد اقتصر مفعول « تجد » على قوله :
« ما عملت من خير » . قوله : ( ولا تكون ما شرطية لارتفاع تود ) ولو كانت شرطية لزم بقاء الشرط بلا جواب أو انجزام الفعل ، ولم يرو الجزم فتعيّن الأول . قال النحرير التفتازاني رحمه اللّه : وعليه اعتراض مشهور وهو أنه إذا كان الشرط ماضيا والجزاء مضارعا جاز فيه الرفع والجزم من غير تفرقة بين « إن » الشرطية وأسماء الشرط ، ولا يمنعه إطباق القراء على أحد الجانبين وإن كان مرجوحا . وقد سمع الرفع والجزم في لسان العرب ، ومنه بيت زهير :وإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول لا غائب ما لي ولا حرموقد يجاب بأن رفع المضارع في الجزاء شاذ كرفعه في الشرط نص عليه المبرد وشهد به الاستعمال حيث لم يوجد إلا في ذلك البيت . وقد جاء الجزم في القرآن كثيرا كما في قوله تعالى :مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْومَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها[ الشورى : 20 ] فلا وجه لحمل القرآن العظيم مع كونه في نهاية الفصاحة على الوجه الشاذ النادر . قوله : ( وقرىء ودت ) بلفظ الماضي وعلى هذه القراءة تكون كلمة « ما » شرطية وفي محلها حينئذ احتمالان : الأول