وعلى هذا يصح أن تكون شرطية ولكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنه حكاية كائن وأوفق للقراءة المشهورة .
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
كرره للتأكيد والتذكير .
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
( 30 ) إشارة إلى أنه تعالى إنما نهاهم وحذّرهم رأفة بهم ومراعاة لصلاحهم أو أنه لذو مغفرة وذو عقاب فيرجى رحمته ويخشى عذابه .
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدرك فيه بحيث يحملها على ما يقرّبها إليه والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا للّه وأن كل ما يراه كمالا من نفسه أو غيره فهو من اللّه وباللّه وإلى اللّه ، لم يكن حبّه إلا للّه وفي اللّه وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقرّبه . فلذلك فسرت المحبّة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته والحرص على مطاوعته .
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
جواب للأمر أي يرض عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزّه ويبوئكم في جوار قدسه . عبّر عن ذلك بالمحبّة على طريق الاستعارة أو المقابلة .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 31 ) لمن تحبّب إليه بطاعته واتباع نبيه .
روي أنها نزلت لما قالت اليهود : نحن أبناء اللّه وأحباؤه . وقيل : نزلت في وفد نجران لما قالوا : إنما نعبد المسيح حبّا للّه . وقيل : في أقوام زعموا على عهده صلّى اللّه عليه وسلم أنهم يحبون اللّه فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقا من العمل .
شرح
النصب بالفعل بعدها والتقدير أي شيء عملت من سوء ودت ، فودت جواب الشرط .
والاحتمال الثاني الرفع على الابتداء والعائد على هذا المعنى محذوف تقديره « وما عملته » ويجوز أن تكون موصولة مرفوعة المحل بالابتداء و « ودت » خبرها والمعنى : الذي عملته من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا ، وهو مختار المصنف حيث قال : « ولكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنه حكاية كائن » أي في ذلك اليوم فينبغي أن يحمل الكلام على ما يفيد الكينونة والوقوع في ذلك اليوم . و « ما » الشرطية لا تفيد الوقوع فإن معنى ما صنعت صنعت إن صنعت هذا صنعت هذا .
قوله : ( أو أنه لذو مغفرة وذو عقاب ) فقوله تعالى :وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِعلى الوجه الأول تذييل لما قبله وبيان للحكمة في تحذيره عن عقاب نفسه حيث بيّن أنه يمهل ولا يهمل فلا تغتروا بإمهاله وتأهبوا ليوم حسابه وجزائه . وعلى الوجه الثاني أنه من قبيل اتباع الوعيد بالوعد ليكون المكلف بين الخوف والرجاء ، ولو اقتصر على الأول لغلب عليه الخوف .
قيل : لما قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الوعيد على وفد نجران قالوا : هذا الوعيد لا يكون لنا فنحن أبناء اللّه وأحباؤه . فبيّن اللّه تعالى أنه لا يحب إلا من يتبع حبيبه فقال :قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ