فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
( 173 ) تفصيل للمجازاة العامة المدلول عليها من فحوى الكلام وكأنه قال : فسيحشرهم إليه جميعا يوم يحشر العباد للمجازاة أو لمجازاتهم فإن إثابة مقابليهم والإحسان إليهم تعذيب لهم بالغمّ والحسرة .
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
( 174 ) أعني بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن أي جاءكم دلائل العقل وشواهد النقل ولم يبق لكم عذر ولا علة . وقيل : البرهان الدين أو رسول اللّه أو القرآن .
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ
في ثواب
شرح
وهذا رد على النصارى ورد على مشركي العرب بقوله :وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَفلا دلالة للآية على تفضيل الملائكة . قوله : ( تفصيل للمجازاة العامة إلى قوله أو لمجازاتهم ) جواب عما يقال أن هذا التفصيل لا يطابق المفصل ؛ لأن التفصيل وهو قوله :فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواوَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوامشتمل على ذكر فريق المستنكفين وغيرهم . والمفصل أي المجمل الذي فصل ، وهو المذكور بقوله :وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاًإنما اشتمل على ذكر فريق المستنكفين . والتفصيل المذكور لا يطابق هذا المجمل . وأجاب عنه بوجهين ، الأول : أنا لا نسلم أن هذا المجمل لا تعرض فيه لغير المستنكفين بل هو مدلول عليه بفحوى ذلك المجمل ؛ لأن حشر المجرمين إنما يكون يوم حشر عامة المكلفين للمجازاة فذكر حشرهم يدل على حشر الجميع لها مجملا ، ففصل أمر مجازاة الجميع بذلك فطابق التفصيل المفصل بهذا الاعتبار . والثاني : أن ما ذكرت إنما يرد أن لو كان المقصود تفصيل حال الفريقين . وليس كذلك ، بل المقصود تفصيل عذاب فريق المستنكفين إلى نوعين ، أحدهما : التعذيب بنار الجحيم ، والآخر : بنار الحسرة على عدم الاطلاع على كرامة أضدادهم ومثوبات أعمالهم . قوله : ( وبالنور القرآن ) سمي نورا لكونه سببا لوقوع نور الإيمان في القلب ؛ ولأنه يتبين به الأحكام كما يتبين بالنور الأعيان . قوله : ( وقيل البرهان الدين ) فإن الدين الحق لابتنائه على البراهين القاطعة صار كأنه هو البرهان . وسمي عليه الصلاة والسّلام برهانا لأن حرفته إقامة البرهان على تحقيق الحق وإبطال الباطل ، وسمي القرآن برهانا لكونه من حيث إعجازه برهانا على صدق مبلغه في دعوى الرسالة . وعلى التقادير يكون المراد بالنور القرآن أيضا غايته أنه سمي برهانا ونورا باعتبارين . وقوله :مِنْ رَبِّكُمْيجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لبرهان ، أي : برهان كائن من ربكم ، وأن يتعلق بنفس « جاء » . قوله تعالى :( وَاعْتَصَمُوا بِهِ )أي امتنعوا به عن اتباع النفس الأمّارة بالسوء وتسويلات الشيطان .