يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
الخطاب للفريقين . غلت اليهود في حط عيسى عليه السّلام حتى رموه بأنه ولد من غير رشدة ، والنصارى في رفعه حتى اتخذوه إلها . وقيل : الخطاب للنصارى خاصة فإنه أوفق لقوله :
وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
يعني تنزيهه عن الصاحبة والولد
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
أوصلها إليها أو حصّلها فيها
وَرُوحٌ مِنْهُ
وذو روح صدر منه لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له . وقيل : سمي روحا لأنه
شرح
صناعي وإن كان المعنى عليه لأنه يكفي في جزمه وقوعه جوابا للأمر قبله ، وهو قوله :
« فآمنوا » فإنك إذا قلت : « زرني أكرمك » يكون قولك : « أكرمك » مجزوما لوقوعه جوابا للأمر من غير أن يقدر شرط صناعي . قوله تعالى :( إِلَّا الْحَقَّ )استثناء مفرغ . وفي نصبه وجهان ، أحدهما : أنه مفعول به ؛ لأنه يصح أن يتعلق به القول نحو قلت خطبة . وثانيهما : أنه نعت مصدر محذوف ، أي إلا القول الحق ؛ وهو قريب في المعنى من الأول : وقوله : « المسيح » مبتدأ بعد أن المكفوفة ب « ما » و « عيسى » بدل منه أو عطف بيان ، و « ابن مريم » صفته ، و « رسول اللّه » خبر المبتدأ ، و « كلمته » عطف عليه ؛ وألقاها في موضع الحال بإضمار « قد » وعاملها معنى كلمة ؛ لأنها في معنى المكون بالكلمة من غير أب ، فكأنه قيل : ومكونه ومبتدعه قد ألقاه إلى مريم . وذو الحال هو الضمير المستتر في « كلمته » الراجع إلى « عيسى » لأنه لتضمنه معنى المشتق نحو المكون والمنشأ والمبتدع استتر فيه الضمير ، فإنه عليه الصلاة والسّلام وجد بكلمة اللّه وأمره من غير واسطة أب ولا نطفة ؛ لقوله تعالى :إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ[ آل عمران : 59 ] . قوله : ( وروح ) عطف على « كلمته » و « منه » صفة ل « روح » و « من » لابتداء الغاية . وأشار المصنف إليه بقوله : وذو روح صدر بلا واسطة الأب والنطفة وليست تبعيضية لاستحالة التجزي على اللّه تعالى ؛ حكي أن بعض النصارى ناظر بعض أكابر المسلمين وقال : في كتاب اللّه ما يشهد بأن عيسى جزء من اللّه تعالى ، وتلا :وَرُوحٌ مِنْهُفعارضه المسلم بقوله :وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ[ الجاثية : 13 ] وقال : يلزم عليه أن تكون تلك الأشياء جزءا من اللّه تعالى وهو محال بالاتفاق . فانقطع كلام النصراني وأسلم . قيل : معنى كونه عليه الصلاة والسّلام روحا أنه ذو روح صادر منه تعالى كسائر ذوي الأرواح ، إلا أنه تعالى أضاف روحه إلى نفسه تشريفا . وقيل : المراد بالروح هو الذي نفخه جبريل عليه الصلاة والسّلام في درع مريم فحملت بإذن اللّه تعالى من ذلك النفخ ، سمي النفخ روحا لأنه كان ريحا تخرج من الروح ، وأضاف تعالى نفخة جبريل إلى نفسه حيث قال :وَرُوحٌ مِنْهُبناء على أن ذلك النفخ الواقع من جبريل كان بإذن اللّه تعالى وأمره فهو منه . وعن أبي بن كعب أنه قال : « إن اللّه