لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ
لن يأنف من نكفت الدمع إذا نجّيته بإصبعك كي لا يرى أثره عليك .
أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ
من أن يكون عبدا له فإن عبوديته شرف يتباهى به وإنما المذلة والاستنكاف في عبودية غيره . روي أن وفد نجران قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لم تعيب صاحبنا ؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ومن صاحبكم » ؟ قالوا : عيسى عليه السّلام . قال عليه السّلام : « وأيّ شيء أقول » ؟ قالوا : تقول إنه عبدا للّه ورسوله . قال :
« إنه ليس بعار أن يكون عبدا للّه » قالوا : بلى . فنزلت .
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
عطف على المسيح أي ولا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدا . واحتج به من زعم فضل الملائكة على الأنبياء وقال مساقه لرد قول النصارى في رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضي أن يكون المعطوف أعلى درجة منه حتى يكون عدم استنكافهم كالدليل على عدم استنكافه . وجوابه أن الآية للرد على عبدة المسيح والملائكة فلا يتجه ذلك وإن سلم اختصاصها بالنصارى فلعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون التكبير كقولك : أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرؤوس ، وإن أراد به التكبير فغايته تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين هم حول العرش أو من أعلى منهم رتبة من الملائكة على المسيح من الأنبياء وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقا والنزاع فيه .
وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ
ومن يترفع عنها والاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه ، وإنما يستعمل حيث لا استحقاق بخلاف التكبر فإنه قد يكون بالاستحقاق .
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
( 172 ) فيجازيهم .
شرح
وصاحبه مملوك ومخلوق له لكونه من جملة ما في السماوات وما في الأرض ، فلا تتصور المجانسة والمماثلة بين الخالق والمخلوق والمالك والمملوك ، فكيف يعقل مع هذا توهم كونه له ولدا وزوجة ؟ ثم قال تعالى :وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًاأي مفوضا إليه القيام بتدبير ملكه ، فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر ولا إلى القول بإثبات صاحبة له وولد . وهو إشارة إلى ما يذكره المتكلمون من أنه سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات قادرا على كل المقدورات كان كافيا في الإلهية ، فلو فرضنا إلها آخر معه لكان معطلا لا فائدة فيه ، وذلك نقص والناقص لا يكون إلها . قوله : ( لن يأنف ) يقال أنف من الشيء يأنف إذا ترفع وتعظم من أن يتصف به ، فإن الاستنكاف استفعال من النكف وهو الأنفة والترفع . والمعنى : أن من يزعمون أنه إله لن يأنف من أن يكون عبدا للّه تعالى ولا ينحى عنه صفة عبودية اللّه تعالى .
قوله : ( وجوابه أن الآية للرد على عبدة المسيح والملائكة ) يعني أن هذا ليس لتفضيل الملائكة على البشر بل هو للرد على النصارى قالوا : المسيح ابن اللّه ، ومشركي العرب قالوا :
الملائكة بنات اللّه . فرد اللّه على الفريقين بقوله :لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ