بَعْدَ الرُّسُلِ
فيقولوا : لولا أرسلت إلينا رسولا فينبهنا ويعلّمنا ما لم نكن نعلم . وفيه تنبيه على أن بعثة الأنبياء إلى الناس ضرورة لقصور الكل عن إدراك جزئيات المصالح والأكثر عن إدراك كلياتها واللام متعلقة « بأرسلنا » أو بقوله :
مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
وحجة اسم « كان » وخبره « للناس » أو على « اللّه » والآخر حال ولا يجوز تعلّقه بحجة لأنه مصدر و « بعد » ظرف لها أو صفة ،
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً
لا يغلب فيما يريده
حَكِيماً
( 165 ) فيما دبّر من أمر النبوة وخص كل نبي بنوع من الوحي والإعجاز .
لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ
استدراك عن مفهوم ما قبله فكأنه لما تعنّتوا عليه بسؤال كتاب ينزل عليهم من السماء واحتج عليهم بقوله :
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
قال : إنهم لا يشهدون ولكن اللّه يشهد ، أو أنهم أنكروه ولكن اللّه يثبته ويقرره .
بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ
من القرآن المعجز الدال على نبوتك . روي أنه لما نزل
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
قالوا : ما نشهد لك . فنزلت .
أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
أنزله ملتبسا بعلمه الخاص به وهو العلم بتأليفه على
شرح
الموطئة ما لا تكون مقصود لنفسها ، وإنما المقصود صفتها ؛ ألا ترى أن الرجولية مفهومة من قولك : مررت بزيد رجلا صالحا ، وليست بمقصودة ، وإنما المقصود الصلاحية . قوله :
( والآخر حال ) أي ما لا يكون خبرا من قوله :« عَلَى اللَّهِ »، أو« لِلنَّاسِ »يكون حالا . فإن كان الخبر هو« عَلَى اللَّهِ »يكون« لِلنَّاسِ »حالا ، وإن كان الخبر« لِلنَّاسِ »يكون« عَلَى اللَّهِ »حالا ، ولا يجوز أن يتعلق« عَلَى اللَّهِ »بحجة وإن كان المعنى عليه لأن معمول المصدر لا يتقدم عليه .
قوله : ( واحتج عليهم الخ ) وجه الاحتجاج أن كل واحد من هؤلاء الأنبياء نبي ولم يأت واحد منهم بكتاب نزل جملة واحدة ولا بكتاب محرر بخط سماوي ولا بكتاب يعاينه أهل ذلك العصر حين ينزل ولا بكتاب نزل إلى كل واحد منهم بعينه يدعوه إلى تصديق نبيه ، فعلم بذلك أن ثبوت النبوة لا يتوقف على إيتاء الكتاب على الوجه الموصوف . وحاصل كلام المصنف أن الجملة الاستدراكية لا يبتدأ بها ، فلا بد من جملة متقدمة تكون هذه الجملة مستدركة عنها ، وتلك الجملة لم تذكر صريحا فهي ما يفهم من سؤالهم على وجه التعنت أن ينزل عليهم ما وصفوه من الكتاب ، فهو بمنزلة قولهم : لا نشهد بأن اللّه تعالى بعثك إلينا رسولا حتى ينزل ما سألناه ، فقال تعالى : إنهم لا يشهدون بصدقك في دعوى الرسالة لكن اللّه يشهد بما أنزل إليك إن جحدوه وكذبوك فإن إنزال هذا القرآن البالغ الفصاحة حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضته وإتيان ما يدانيه شهادة له عليه بنبوته وصدقه في دعوى الرسالة . وجعل إنزال هذا القرآن المعجز شهادة منه تعالى بصدق نبيه لأن الشاهد هو المبين