لَفِي شَكٍّ مِنْهُ
لفي تردد ، والشك كما يطلق على ما لا يرجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردد وعلى ما يقابل العلم . ولذلك أكّده بقوله :
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ
استثناء منقطع أي ولكنهم يتبعون الظن . ويجوز أن يفسّر الشك بالجهل والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس جزما كان أو غيره فيتصل الاستثناء .
وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً
( 157 ) قتلا يقينا كما زعموه بقولهم : إنّا قتلنا المسيح أو متيقنين . وقيل : معناه ما علموه يقينا كقول الشاعر :
كذاك يخبر عنها العالمات بها * وقد قتلت بعلمي ذلكم يقينا
من قولهم : قتلت الشيء علما ونحرته علما إذا تبالغ علمك فيه .
شرح
السماوات وأنوار عالم الجلال فتعظم بهجتها وسعادتها وسماويتها هناك . ومعلوم أن هذه الأحوال غير حاصلة لكل الناس وإنما تحصل لأشخاص قليلين من مبتدأ خلق آدم إلى قيام القيامة فهذا هو الفائدة في تخصيص عيسى عليه الصلاة والسّلام بهذه الحالة . وأما الملكانية فإنهم قالوا : القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة . وقال اليعقوبية : القتل والصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهر . فهذا شرح مذاهب النصارى في هذا الباب وهو المراد بقوله :إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ .قوله :
( لفي تردد ) جواب عما يقال : كيف جعلوا شاكين ظانين مع أن الشك والظن لا يجتمعان لأن إدراك النسبة مع الشك فيها لا يترجح فيه أحد الجانبين على الآخر وإدراكها بطريق ترجح أحدهما ظن ، ولا شك أن الرجحان وعدمه لا يجتمعان . والفرق بين التردد الذي هو عدم الجزم وبين ما يقابل العلم أن الثاني أعم لأنه كما يتناول الشك المصطلح والظن يتناول الجهل أيضا وهو الاعتقاد الغير المطابق ولا يتناوله التردد وجعل الاستثناء منقطعا لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم . قوله : ( قتلا يقينا ) على أن يكونيَقِيناًنعت مصدر محذوف وقوله : « أو متيقنين » على أن يكون حالا من فاعل قتلوه .
قوله : ( وقيل معناه ما علموه يقينا ) أي ما علموا أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام على جهة التيقن فيكون انتصاب « يقينا » في النظم على أنه مصدر من معنى قوله : « ما قتلوه » فإن معناه : ما تيقنوه وما علموه يقينا . وقد يطلق على العلم بالشيء على وجه اليقين والإحاطة به اسم القتل فيقال : قتلت الشيء علما ونحرته علما إذا بلغ علمك به إلى أقصى ما يمكن العلم به . ووجه المجاز فيه أن قتل الشيء إنما يكون بقهره والاستيلاء عليه فشبه العلم بالشيء على الوجه المذكور بقتله لاستلزامه نوع القهر والغلبة عليه . وقوله تعالى :بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِقال الحسن البصري : إلى السماء التي هي محل كرامة اللّه تعالى ومقر ملائكته ولا يجري فيها