وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
في شأن عيسى عليه السّلام ، فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس فقال بعض اليهود : إنه كان كاذبا فقتلناه حقا . وتردد آخرون فقال بعضهم :
إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ وقال بعضهم : الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا .
وقال من سمع منه « إن اللّه يرفعني إلى السماء » : إنه رفع إلى السماء . وقال قوم : صلب الناسوت وصعد اللاهوت .
شرح
لكنه يقتضي وقوع قتل ما يشبه قتله وذلك إنما يكون بأن يقتل أحد فيرجف بأنه هو المسيح .
قال الإمام الرازي في تفسيره : قال كثير من المتكلمين إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه اللّه إلى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة بين عوامهم فأخذوا إنسانا وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس أنه هو المسيح والناس ما كانوا يعرفون المسيح إلا بالاسم لأنه كان قليل المخالطة مع الناس . فبهذا الطريق اندفع ما يقال : إذا جاز ذلك جاز أن يقال : إن اللّه تعالى يلقي شبه زيد على عمرو وعند ذلك لا يبقى الطلاق والنكاح والملك موثوقا به . ثم قال : لا يقال : إن النصارى ينقلون عن أسلافهم أنهم شاهدوه مقتولا لأنّا نقول إن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب . انتهى كلامه . قوله : ( فقال بعضهم إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ) قال السدي : إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت فدخل عليه رجل من اليهود ليخرجه فيقتله فألقى اللّه تعالى عليه شبه عيسى فذلك اختلافهم فيه . قوله : ( وقال بعضهم الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا ) فإن اليهود لما قتلوا الشخص المشبه بعيسى كان الشبه قد ألقى على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى ، فلما قتلوه ونظروا إلى بدنه قالوا الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره . قوله : ( وقال قوم صلب الناسوت وصعد اللاهوت ) أي قيل : إن الذين اختلفوا فيه هم النصارى قال قوم منهم :
إنه ما قتل وما صلب بل رفعه اللّه إلى السماء واتفق قوم منهم على أن اليهود قتلوه وهم كبار فرق النصارى . ثم إنهم افترقوا مع اتفاقهم عليه ثلاث فرق : النسطورية والملكانية واليعقوبية .
أما النسطورية فقد زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته أي جسمه وهيكله المحسوس لا من جهة لاهوته أي نفسه وروحه ، وأكثر الحكماء يختارون ما يقرب من هذا القول قالوا :
لأنه ثبت أن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو إما جسم لطيف في هذا البدن أو جوهر روحاني مجرد في ذاته وهو مدبر في هذا البدن ، والقتل إنما ورد على هذا الهيكل ، وأما النفس التي هي في الحقيقة عيسى فالقتل ما ورد عليها . لا يقال : كل إنسان كذلك فما الوجه في هذا التخصيص ؟ لأنا نقول : إن نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الإشراق بالأنوار الإلهية عظيمة القرب من أرواح الملائكة والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن . ثم إنها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلص إلى سمو