أو اتقاء . والفعل معدى ب « من » لأنه في معنى تحذروا وتخافوا . وقرأ يعقوب تقيّة منع من موالاتهم ظاهرا وباطنا في الأوقات كلها إلا وقت المخافة فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز .
كما قال عيسى عليه السّلام : كن وسطا وامش جانبا .
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
( 28 ) فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه ومولاة أعدائه ، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي في القبح وذكر النفس ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى فلا يؤبه دونه بما يحذّر من الكفرة .
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
أي أنه يعلم ضمائركم من ولاية الكفار وغيرها إن تخفوها أو تبدوها .
وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
فيعلم سرّكم وعلنكم
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 29 ) فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه . والآية بيان لقوله :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
[ آل عمران : 28 ] فكأنه قال : ويحذركم نفسه لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها فلا تجسروا على عصيانه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها قادر على العقاب بها .
شرح
منصوبة على أنها مفعول به وذلك على أن يكون « تتقوا » بمعنى تخافوا وأن يكون تقاة مصدرا واقعا موقع المفعول به حيث وضع قوله : « ما يجب اتقاؤه » موضع « تقاة » ووضع قوله : « من جهتهم » موضع « منهم » إشارة إلى أن « من » ابتدائية متعلقة بالفعل قبلها . ويحتمل أن يكون منهم حالا من « تقاة » قدمت عليها والمعنى : لا تفعلوا ذلك إلا لأجل تخوفكم أمرا يجب الاحتراز عنه كائنا من جهتهم بأن يغلب الكفار أو بأن يكون المؤمن بينهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان . وهذا رخصة من اللّه تعالى حتى لو ثبت على الحق ظاهرا وباطنا وقتل كان أجره عظيما . قوله : ( أو اتقاء ) إشارة إلى أن « تقاة » منصوبة على أنها مفعول مطلق واقعة موقع الاتقاء . والعرب تضع بعض المصادر موضع بعض كما في قوله تعالى :وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا[ المزمل : 8 ] وضع موضع تبتلا وقوله :وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً[ آل عمران : 37 ] ويحتمل أن يكون « تقاة » مصدر « اتقى » على الندرة والشذوذ . قال في الصحاح : اتقى تقية وتقاة مثل الحم لحمة ، ومجيء المصدر على فعل أو فعلة قليل نحو : التهمة والتخمة والتؤدة . قوله : ( عليه الصلاة والسّلام كن وسطا وامش جانبا ) أي كن فيما بين الناس ظاهرا وامش جانبا من موافقتهم فيما يأتون ويذرون . وقيل : معناه لا تجانب معاشرتهم ولكن جانب الخوض في أمورهم . وقيل : ليكن جسدك مع الناس وقلبك مع اللّه عز وجل .