فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
[ البقرة : 229 ] وقد تظاهرت السنن على جوازه أيضا في حال الأمن . وقرىء « من الصلاة أن يفتنكم » بغير « إن خفتم » بمعنى كراهة أن يفتنكم وهو القتال والتعرض بما يكره .
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ
تعلّق بمفهومه من خصّ صلاة الخوف بحضرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لفضل الجماعة وعامة الفقهاء على أنه تعالى علّم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كيفيتها ليأتم به الأئمة بعده فإنهم نواب عنه فيكون حضورهم كحضوره .
فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك يصلون وتقوم الأخرى تجاه العدوّ .
وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ
أي المصلون حزما . وقيل : الضمير للطائفة الأخرى . وذكر الطائفة الأولى يدل عليهم .
فَإِذا سَجَدُوا
يعني المصلّين
فَلْيَكُونُوا
أي غير المصلّين
مِنْ وَرائِكُمْ
يحرسونكم يعني النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن يصلي معه فغلب
شرح
بالخوف في الآية لوقوعه في أكثر أسفار النبي عليه الصلاة والسّلام فإن الغالب في أسفاره عليه الصلاة والسّلام أن لا تخلو عن خوف العدو ، ومتى كان للتقييد فائدة أخرى غير نفي الحكم عند عدم القيد لا يكون التقييد دليلا على انتفاء الحكم عند عدم القيد اتفاقا . وهذا الجواب مبني على القول بالمفهوم . وأما عندنا فالأمر ظاهر لأن التقييد بالشرط مثلا لا يدل على نفي الحكم عند عدمه بل على مجرد ثبوته عند ثبوت الشرط فقوله تعالى :إِنْ خِفْتُمْإنما يدل على جواز القصر حال حصول الخوف فالآية ساكتة عن حال الأمن لا تعرض فيها لحال الأمن نفيا أو إثباتا فإثبات جواز القصر حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتا لحكم سكت عنه القرآن وهو غير ممتنع وإنما الممتنع إثبات حكم بخبر الواحد على خلاف ما دل عليه القرآن ونحن لا نقول به .
قوله : ( وقد تظاهرت السنن ) منها ما روي عنه عليه الصلاة والسّلام أنه قصر في السفر من غير خوف . ومنها ما قرر من أنه عليه الصلاة والسّلام قرر لعائشة رضي اللّه عنها ما فعلت من القصر وقال لها : « أحسنت » ومنها قوله عليه الصلاة والسّلام لعمر : « صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » . قوله : ( تعلق بمفهومه من خصّ الخ ) فإن أبا يوسف والحسن بن زياد قالا : صلاة الخوف خاصة بالرسول عليه الصلاة والسّلام ولا تجوز لغيره احتجاجا بقوله تعالى :وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْفإنه يدل على أن إقامة الصلاة على الوجه المذكور مشروطة بكونه عليه الصلاة والسّلام فيهم ، لأن كلمة « إذا » تفيد الاشتراط وقوله : « لفضل الجماعة » متعلق بقوله : « تعلق » يعني أنه اعتبر مفهوم الشرط مع أنه لا يقول بأن التعليق بالشرط يوجب انتفاء الحكم عند عدم الشرط بناء على أن الجماعة المعهودة وهم الذين يصلون خلفه عليه الصلاة والسّلام أفضل ثوابا بالنسبة إلى الجماعة الذين يصلون خلف غيره .