السفر وأن عائشة رضي اللّه تعالى عنها اعتمرت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالت : يا رسول اللّه قصرت وأتممت وصمت وأفطرت فقال : « أحسنت يا عائشة » . وأوجبه أبو حنيفة لقول عمر رضي اللّه تعالى عنه : صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلّى اللّه عليه وسلّم .
ولقول عائشة رضي اللّه عنها : أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فأقرّت في السفر وزيدت في الحضر . وظاهرهما يخالف الآية الكريمة فإن صحّا فالأول مؤوّل بأنه كالتام في الصحة والإجزاء ، والثاني لا ينفي جواز الزيادة فلا حاجة إلى تأويل الآية بأنهم ألفوا الأربع فكانت مظنة لأن يخطر ببالهم أن ركعتي السفر قصر ونقصان فسمي الإتيان
شرح
مذهبه ، فإنه ذهب إلى أن القصر رخصة فإن شاء المكلف أتم وإن شاء اكتفى على القصر .
وقال أبو حنيفة : القصر واجب فإن صلى المسافر أربعا ولم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته لاتصال النافلة بها قبل كمال أركانها ، وإن قعد في آخر الركعة الثانية قدر التشهد أجزأته الأخريان نافلة ويصير مسيئا بتأخير السّلام . واستدل الإمام الشافعي على ما ذهب إليه بقوله تعالى : ( فليس جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة ) فإن هذا اللفظ لا يستعمل في إيجاب الشيء بعينه وإنما يستعمل في رفع التكليف به ، فإن هذا اللفظ لا يذهب منه وهم أحد إلى أن يكون المراد منه أوجبت عليكم القصر وحرمت عليكم الإتمام وجعلته مفسدا للصلاة ، وبأنه عليه الصلاة والسّلام أتم في السفر ، وبقوله عليه الصلاة والسّلام لعائشة :
« أحسنت في كل واحدة بما فعلت » . ومما استدل به أبو حنيفة رحمه اللّه ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال : قلت لعمر بن الخطاب فيم اقتصار الناس الصلاة اليوم ؟ وإنما قال اللّه تعالى :إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا[ النساء : 101 ] بمعنى يقتلكم كما في قوله تعالى :عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ[ يونس : 83 ] أي يقتلهم وقد ذهب ذلك الخوف اليوم . فقال عمر : عجبت مما عجبت منه فذكرت ذلك لرسول اللّه عليه الصلاة والسّلام فقال : « صدقة تصدق بها اللّه عليكم فاقبلوا صدقته » . معناه فاعتقدوه واعملوا به . قال أبو حنيفة : المراد بتصدق اللّه تعالى بالقصر علينا إسقاط الإتمام عن ذمتنا والإسقاط لا يحتاج إلى القبول ولا يرتد بالرد خصوصا من اللّه تعالى ، فإنه مفترض الطاعات ومشرع الأحكام وليس لنا إلا التدين بما شرع والعمل بما حكم . قوله : ( وظاهرهما يخالف الآية ) لأن قصر الصلاة بمعنى تقليل ركعاتها يقتضي أن يكون أول ما فرضت أكثر من ركعتين وهو مخالف لما روي عن عائشة وعمر رضي اللّه عنهما . قوله : ( والثاني لا ينفي جواز الزيادة ) فإن قول عائشة رضي اللّه عنها إنما يدل على أن الزيادة على الركعتين ليست بفرض في حق المسافر وظاهر أنه لا ينفي جوازها في حقه . وقال صاحب الكشاف في رفع مخالفة الآية لقولهما ليس المراد من قصر الصلاة نقص شيء من أركانها المفروضة حتى يكون القول بأن أصل الفرض إنما