وغيره ويؤيده أنه نزل في مقيس بن ضبابة وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار ولم يظهر قاتله فأمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدفعوا إليه ديته فدفعوا إليه ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتدا . أو المراد بالخلود المكث الطويل فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
سافرتم وذهبتم إلى الغزو
شرح
دليل العفو قائم وهو قوله تعالى :وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ[ النساء : 48 ، 116 ] ومقصود المصنف من هذا الكلام الجواب عن استدلال الوعيدية بهذه الآية على تخليد عصاة المسلمين في النار . ثم إن جمهور العلماء قالوا : توبة من قتل المسلم عمدا بغير حق مقبولة واستدلوا عليه بثلاثة أوجه : الوجه الأول أن الكفر أعظم من هذا القتل فإذا قبلت توبة الكافر فتوبة هذا القاتل أولى بالقبول ، والوجه الثاني أنه تعالى قال في آخر سورة الفرقان :وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاًوإذا كانت توبة الآتي بالقتل العمد مع سائر الكبائر المذكورة في هذه الآية مقبولة فلأن تكون توبة الآتي بالقتل العمد وحده مقبولة أولى .
والوجه الثالث أنه تعالى قال :وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَفإنه وعد بالعفو عن كل ما سوى الكفر بدون التوبة فإن يعفو عنه بعد التوبة أولى . قوله : ( وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار ) وكان مسلما فأتى رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام فذكر له ذلك فأرسل عليه الصلاة والسّلام معه رسولا من بني فهر وقال له : « ائت بني النجار وأقرئهم عني السّلام وقل لهم إن رسول اللّه يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى مقيس بن ضبابة فيقتص منه ، وإن لم تعلموا له قاتلا ، فادفعوا إليه ديته » . فبلغ الفهري رسالة رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام إليهم فقالوا : سمعا وطاعة للّه ولرسوله ، واللّه لا نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي ديته . فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين نحو المدينة . فبينما هما في الطريق إذ الشيطان وسوس إليه فألقى إليه حمية الجاهلية وقال لنفسه : أي شيء صنعته تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة أي عارا اقتل هذا الفهري الذي معك فتكون نفس بنفس وتبقى الدية فضلة لي . فقتل الفهري ثم ركب بعيرا منها وساق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا فنزل فيه قوله تعالى :وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيهابكفره وارتداده عن الإسلام . ولما نزلت الآية في كافر قتل مؤمنا سقط استدلال الوعيدية بها على خلود العصاة في النار . قوله : ( سافرتم ) من قول العرب : ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو