وقرأ نافع وابن عامر والكسائيّ بالنصب على الحال أو الاستثناء . وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين أو بدل منه . وعن زيد بن ثابت أنها نزلت ولم يكن فيها غير أولي الضرر فقال ابن أمّ مكتوم : وكيف وأنا أعمى ؟ فغشي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مجلسه الوحي فوقعت فخذه على فخذي فخشيت أن ترضّها ثم سري عنه فقال : اكتب
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
أي لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة وفائدته تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعا لرتبته وأنفة عن انحطاط منزلته .
فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً
جملة موضحة لما نفي الاستواء فيه والقاعدون على التقييد السابق و
« دَرَجَةً »
نصب بنزع الخافض أي بدرجة ، أو على المصدر
شرح
والسّلام : « إذا مرض العبد قال اللّه تعالى : اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ » . وقال المفسرون : قوله تعالى :ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ[ التين : 5 ، 6 ] أن من صار حرما كتب اللّه له أجر عمله قبل هرمه غير منقوص . وقالوا في تفسير قوله عليه الصلاة والسّلام : « نية المؤمن خير من عمله » إن المؤمن ينوي الإيمان والعمل الصالح لو عاش أبدا فيحصل له ثواب تلك النية أبدا . وشرط مساواة أجر العامل والمتقاعد عنه ما ذكره اللّه تعالى في سورة التوبة وهو قوله تعالى :لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى[ التوبة : 91 ] إلى قوله :إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ[ التوبة : 91 ] فثبت أن اللام في « القاعدين » ليست للاستغراق ولا لتعريف الحقيقة أيضا لأن نفس الماهية ليست بمأجورة حتى يقال : إن ماهية القاعد لا تساوي ماهية المجاهد فتعيّن أن اللام فيه لتعريف العهد الذهني ، والمعرف بهذا التعريف شبه النكرة فيوصف كما توصف النكرة . ألا يرى أن اللئيم وصف بالجملة الفعلية في قوله :ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثمة قلت : لا يعنينيويمكن أن يقال في الجواب عنه : إن « غير » قد تتعرف إذا وقعت بين ضدين كما في قولك : عليك بالحركة غير السكون ، وجعله بدلا لا يحوج إلى مثل هذا التكليف فيكون أظهر من جعله صفة . قوله : ( وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالنصب على الحال ) أي من« الْقاعِدُونَ »والمعنى : لا يستوي القاعدون في حال كونهم أصحاء غير أولي الضرر ، أو الاستثناء من« الْقاعِدُونَ »والمعنى : لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر . قوله : ( إن ترضها ) أي تكسرها . ثم سرى عنه أي كشف وأزيل عنه ما عرضه من برحاء الوحي وشدته . قوله :
( موضحة لما نفي الاستواء فيه ) يحتمل أن يكون بزيادة درجة أحدهما على درجة الآخر وبنقصانها . فبيّن اللّه تعالى بهذه الجملة أن انتفاء استوائهما إنما هو بأنه تعالى فضل