الاستقراء لنقصان القوة البشرية . ولعل ذكره هنا للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم بل لاختلاف الأحوال في الحكم والمصالح .
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ
مما يوجب الأمن أو الخوف
أَذاعُوا بِهِ
أفشوه كان يفعله قوم من ضعفة المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو أخبرهم الرسول بما أوحي إليه من وعد بالظفر أو تخويف من الكفرة أذاعوا به
شرح
على تلك الأحوال حالا فحالا ويخبره عنها على سبيل التفصيل وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق والمطابقة لما كانوا عليه . فاطراد صدقه عليه الصلاة والسّلام وعدم وجود الاختلاف فيه دليل على أنه كلام اللّه تعالى أنزله على رسوله وأنه صادق في دعوى الرسالة .
والثاني هو الذي ذهب إليه أكثر المتكلمين من أن القرآن كتاب كبير مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم فلو كان ذلك من عند غير اللّه تعالى لوجد فيه أنواع من الكلمات المتناقضة لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير اللّه . فإن قيل : أليس قوله :وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ[ القيامة : 22 ، 23 ] كالمناقض لقوله :لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ[ الأنعام : 103 ] وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر وقوله :فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ[ الحجر : 92 ] كالمناقض لقوله :فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ[ الرحمن : 39 ] وقوله :فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ[ الأعراف : 107 ؛ الشعراء : 32 ] كالمناقض لقوله :كَأَنَّها جَانٌّ[ النمل : 10 ؛ القصص : 31 ] قلنا : لا مناقضة بين شيء منها عند المتدبرين . والوجه الثالث في أن القرآن سالم من الاختلاف كما ذكره أبو مسلم الأصفهاني من أن المراد منه الاختلاف في مرتبة الفصاحة فإن من تتبع ألفاظ القرآن من أوله إلى آخره لا يجد فيه لفظا ركيكا بل يجد أمر الفصاحة فيه على نهج واحد . ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتابا طويلا لا بد أن يوجد التفاوت في كلامه ، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند اللّه . قوله : ( للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ) أي أحكام الآيات الناسخة والمنسوخة ، ليس لتناقض في الحكم لأن كل حكم مختص بزمان غير زمان الحكم الآخر اقتضت الحكمة والمصلحة ذلك الحكم في ذلك الزمان لاختلاف الأحوال بحسب اختلاف الأزمنة . وذلك كالطبيب إذا عالج في زمان بعلاج ثم خالف ذلك العلاج في زمان آخر إلى علاج آخر لاختلاف أحوال المريض في الزمانين ، لا يكون ذلك مناقضة من الطبيب في العلاج وإنما يكون مناقضة إذا اختلف علاجه مع اتحاد حال المريض وزمانه . قوله : ( إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللّه ) فسر مجيء الأمر إليهم أولا ببلوغ خبر السرايا إليهم وأنهم قد غلبوا . وفسره ثانيا بإطلاعهم على ما بالرسول من الأمن أو الخوف من قبل الأعداء بأن أوحى إليه ذلك . ثم فسره ثالثا