تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
ما أَصابَكَ
يا إنسان
مِنْ حَسَنَةٍ
من نعمة
فَمِنَ اللَّهِ
أي تفضّلا منه فإن كل ما يفعله الإنسان من الطاعة لا يكافىء نعمة الوجود فكيف يقتضي غيره ، ولذلك قال عليه السّلام : « ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللّه تعالى » قيل : ولا أنت ؟ قال : « ولا أنا »
وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ
من بلية
فَمِنْ نَفْسِكَ
لأنها السبب فيها لاستجلابها بالمعاصي وهو لا ينافي قوله تعالى :
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ النساء : 78 ] فإن الكل منه إيجادا وإيصالا غير أن الحسنة إحسان وامتحان والسيئة مجازاة وانتقام ، كما قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها : ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو اللّه أكثر . والآيتان كما ترى لا حجة فيهما لنا وللمعتزلة .
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
حال قصد بها التأكيد إن علق الجار بالفعل والتعميم إن علق بها أي رسولا
شرح
قوله : ( رضي اللّه عنها وصب ) أي مرض . ونصب أي تعب . والشوكة تطلق على ما يدق ويصلب رأسه من النبات وعلى المرة من شاكه أي أصابه الشوك . والمراد ههنا الثاني لأنها لو أرادت النبات لقالت : يشاك بها ولأنها جعلتها غاية للمعاني ، وعطفت عليها المعنى وهو انقطاع شسع نعله ، والشسع واحد شسوع النعل التي تشد إلى زمامها . قوله : ( لا حجة فيهما لنا وللمعتزلة ) لأن النزاع بيننا وبينهم إنما هو في أفعال العباد . وقد تقرر أن الحسنة والسيئة في كل واحدة من الآيتين ليستا بمعنى الطاعة والمعصية حتى نستدل بإسناد الكل إليه تعالى على مذهبنا ، وتستدل المعتزلة بإسناد السيئة إلى العبد على مذهبهم . روى الإمام عن أبي علي الجبائي أنه قال : قد ثبت أن لفظ « السيئة » تارة يقع على الذنب والمعصية . ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله :قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِوأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله :وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَفلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما . ولما كانت السيئة بمعنى البلاء مضافة إلى اللّه وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض . فإن قيل : فلماذا فصل اللّه بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلتاهما فعل العبد عندكم ؟ قلنا : لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد إلا أنه إنما وصل إليها بتسهيله وألطافه فصحت الإضافة إليه ، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى اللّه تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها ولا بأنه رغب فيها ، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة إليه تعالى من جميع الوجوه . ثم قال : هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع . ولما حمل المصنف الحسنة والسيئة على النعمة والبلية وهما ليستا من أفعال العباد ثبت أنه لا حجة في الآيتين لنا ولا للمعتزلة . قوله : ( حال قصد بها التأكيد ) يعني أن قوله :رَسُولًاحال مؤكدة والحال المؤكدة كما تجيء بعد الجملة الاسمية تجيء بعد الفعلية أيضا كقوله
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 368 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين