مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً
راعى بها حق مسلم ودفع بها عنه ضررا أو جلب إليه نفعا ابتغاء لوجه اللّه تعالى ومنها الدعاء للمسلم . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك » .
يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها
وهو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير الواقع بها .
وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً
يريد بها محرّما
يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها
نصيب من وزرها مساو لها في القدر
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً
( 85 ) مقتدرا من أقات على الشيء إذا قدر قال :
وذي ضغن كففت الضغن عنه * وكنت على إساءته مقيتا
أو شهيدا حافظا . واشتقاقه من القوت فإنه يقوي البدن ويحفظه .
شرح
« فليقاتل في سبيل اللّه » . لما أمر بالجهاد في الآيات المتقدمة ورغب فيه وذكر قلة رغبة المنافقين في الجهاد عاد إلى الأمر بالجهاد ، فأمر نبيه عليه الصلاة والسّلام أن يتقدم إلى الجهاد بنفسه وإن لم يوافقه أحد . وقوله :لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَإما حال من فاعل « فقاتل » أي « فقاتل » أي فقاتل غير مكلف إلا بنفسك وحدها وإما مستأنف ، أخبر تعالى إياه أنه لا يكلف غير نفسه و « تكلف » بتاء الخطاب ورفع الفعل مبنيا للمفعول و « نفسك » منصوب على أنه المفعول الثاني . وقرأ عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما « لا تكلف » بضم التاء وفتح اللام والجزم على أنه نهي فحينئذ تكون الجملة مستأنفة ولا يجوز أن تكون حالا . والمعنى لا تدع جهاد العدو ولو وحدك فإن اللّه تعالى وعدك النصر . روي أنه عليه الصلاة والسّلام واعد أبا سفيان بعد حراب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكره بعضهم فأنزل اللّه تعالى :فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِالآية فخرج عليه الصلاة والسّلام في سبعين راكبا فكفاهم اللّه القتال . ووجه اتصال قوله تعالى :مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةًالآية بما قبلها أن النبي عليه الصلاة والسّلام لما حرض المؤمنين على القتال وكان ربما لا يجد بعضهم أهبة فيشفع له غيره إلى من يعينه عليه أو ربما يشفع بعض المنافقين لواحد له أهبة في التخلف عنه فتلك شفاعة حسنة وهذه سيئة . والشفاعة والشفعة مأخوذتان من الشفع خلاف الوتر والشفيع صاحب الشفعة وصاحب الشفاعة وصاحب الشفعة يجعل ملك نفسه شفعا بملك المشتري وصاحب الشفاعة يجعل نفسه شفعا بصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة فيها . والكفل الحظ والنصيب قاله أبو عبيدة والفراء وجميع أهل اللغة . فإن قلت : فلم قال في الحسنة نصيب وفي السيئة كفل ؟ أجيب بأن النصيب يقال فيما يقل ويكثر ، والكفل لا يقال إلا في المثل فأشير باختيار لفظ الكفل في جانب السيئة إلى ما قال من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وإليه أشار المصنف بقوله : « مساو لها في القدر » . قوله : ( وكنت على إساءته مقيتا ) أي مقتدرا لأن معنى الحفظ غير ملائم ههنا .