أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ
من النفاق فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب .
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
أي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم أو عن قبول معذرتهم .
وَعِظْهُمْ
بلسانك وكفّهم عمّا هم عليه .
وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ
أي في معنى أنفسهم أو خاليا بهم فإن النصح في السر أنجع .
قَوْلًا بَلِيغاً
( 63 ) يبلغ منهم ويؤثر فيهم أمره بالتجافي عن ذنوبهم والنصح لهم والمبالغة فيه بالترغيب والترهيب وذلك مقتضى شفقة الأنبياء عليهم السّلام . وتعليق الظرف « ببليغا » على معنى بليغا في أنفسهم مؤثرا فيها ضعيف ، لأن معمول الصفة لا يتقدم على الموصوف والقول البليغ في الأصل هو الذي يطابق مدلوله المقصود به .
شرح
الأشياء إلا أن يحسن إلى صاحبنا بالحكم والعدل والتوفيق بينه وبين خصمه . قوله : ( أو عن قبول معذرتهم ) فإن من لا يقبل عذر غيره ويستمر على سخطه قد يوصف بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه . قوله : ( وكفهم عمّا هم عليه ) أي ازجرهم عن النفاق والمكر والكذب وخوفهم بعقاب اللّه تعالى في الآخرة . قوله : ( أي في معنى أنفسهم ) أي في شأن أنفسهم وفي حقها أو خاليا بهم ليس معهم غيرهم . وعلى التقديرين يكون قوله :فِي أَنْفُسِهِمْمتعلقا بقوله :قُلْ لَهُمْ .قوله : ( يبلغ منهم ) على أن بليغا من البلوغ والوصول . والقول إنما يبلغ إليهم ويؤثر فيهم بأن يكون مخوفا لهم من عقاب اللّه تعالى مثل أن يقال لهم : إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم للّه تعالى ، ولا فرق بينكم وبين الكفار المجاهرين في الاستمرار على الكفر وإنما رفع عنكم السيف لأنكم أظهرتم الإيمان ، فطهروا أنفسكم من هذه الخصائل القبيحة وانقادوا للّه تعالى ظاهرا وباطنا وأطيعوه في جميع ما كلفكم به قلبا وقالبا . وإلا فكيف تأمنون من أن ينزل اللّه بكم ما أنزله في حق من جاهر بالكفر من القتل بالسيف وسبي الأموال والأولاد ؟ قوله : ( وتعليق الظرف ) أي الجار والمجرور وهو قوله :فِي أَنْفُسِهِمْبقوله :بَلِيغاًعلى معنى : قل لهم قولا مؤثرا في قلوبهم يغتمون منه اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعارا ، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن ظهر منهم النفاق وبدت طلائعه . ووجه ضعف هذا الاحتمال أن فيه تقديم معمول الصفة على الموصوف وأنه لا يجوز عند البصريين فلا يجوز أن يقال : جاء زيدا رجل يضرب لأنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يجوز تقديم معمول الصفة والعامل ههنا لا يجوز تقديمه لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف . والكوفيون يجيزون تقديم معمول الصفة على الموصوف . وقول البصريين أنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل فيه بحث ، لأنّا وجدنا هذه القاعدة منخرمة في قوله تعالى :فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ[ الضحى : 9 ، 10 ] فاليتيم معمول « لتقهر » و « السائل » معمول « لتنهر » وقد تقدما على « لا » الناهية والعامل فيهما لا يجوز