الأحكام ثلاثة : مثبت بالكتاب ومثبت بالسنة ومثبت بالرد إليهما على وجه القياس .
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فإن الإيمان يوجب ذلك .
ذلِكَ
أي الرد
خَيْرٌ
لكم
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
( 59 ) عاقبة أو أحسن تأويلا من تأويلكم بلا رد .
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ
عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : أن منافقا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف . ثم إنهما احتكما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحكم لليهودي ولم يرض المنافق بقضائه وقال : نتحاكم إلى عمر . فقال اليهودي لعمر : قضى لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يرض بقضائه وخاصم إليك .
فقال عمر رضي اللّه عنه للمنافق : أكذلك ؟ فقال : نعم . فقال : مكانكما حتى أخرج إليكما . فدخل فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد وقال : هكذا أقضي
شرح
الفقهاء أن أصول الشريعة أربعة : الكتاب والسنة والإجماع والقياس وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب . أما الكتاب والسنة فقد وقعت الإشارة إليهما بقوله :أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَوإلى الإجماع بقوله :وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْوإلى القياس بما بعده . قوله تعالى :( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ )شرط حذف جوابه اعتمادا على دلالة ما قبله عليه وجعل ما قبله جوابا له يبطل صدارة الشرط . وهذا الوعيد يحتمل أن يكون مخصوصا بقوله :فَرُدُّوهُويحتمل أن يكون عائدا إلى قوله :أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَوظاهر قوله :إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِيقتضي أن من لم يطع اللّه والرسول لا يكون مؤمنا فيخرج المذنب عن الإيمان لكنه محمول على التهديد . قوله : ( عاقبة ) فإن التأويل قد ورد في القرآن بمعنى المآل والعاقبة كما في هذه الآية وفي قوله :هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ[ الأعراف : 53 ] أي عاقبته وفي قوله :بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ[ يونس : 39 ] أي عاقبته . قال الإمام : التأويل عبارة عما إليه مآل الشيء ومرجعه وعاقبته . ثم إنه تعالى لما أوجب في الآية الأولى على جميع المكلفين أن يطيعوا اللّه ويطيعوا الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه وإنما يريدون حكم غيره فقال :أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَالآية والزعم بفتح الزاي وضمها مصدر زعم وهو فعل يقترن به اعتقاد ظني ، وزعم يكون بمعنى « ظن » فيتعدى إلى اثنين كما في هذه الآية « وأن » مع ما في حيزها ساد مسد مفعوليها . وقد يكون بمعنى كفل فيتعدى إلى واحد ومنهوَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ[ يوسف : 72 ] وقوله تعالى :يُرِيدُونَحال من فاعل« يَزْعُمُونَ »لا من« الَّذِينَ يَزْعُمُونَ »وقوله تعالى :وَقَدْ أُمِرُواحال من فاعل« يُرِيدُونَ »فهما حالان متداخلان . قوله : ( حتى برد ) أي مات سمّي الموت بردا لأن الإنسان إذا مات برد .