أمور الدّين وهو يؤيد الوجه الأول إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس إلا أن يقال : الخطاب لأولي الأمر على طريقة الالتفات .
فَرُدُّوهُ
فراجعوا فيه
إِلَى اللَّهِ
إلى كتابه
وَالرَّسُولِ
بالسؤال عنه في زمانه والمراجعة إلى سنته بعده .
واستدل به منكرو القياس وقالوا : إنه تعالى أوجب رد المختلف إلى الكتاب والسنة دون القياس . وأجيب بأن رد المختلف إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه وهو القياس ويؤيد ذلك الأمر به بعد الأمر بطاعة اللّه وطاعة رسوله فإنه يدل على أن
شرح
حجة والدليل على ذلك أن اللّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر ومن أمر اللّه تعالى بطاعته لا بد أن يكون معصوما من الخطأ لأنه إذا لم يكن معصوما من الخطأ وأمر اللّه تعالى بمتابعته لكان ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ والخطأ منهي عنه فلا يكون مأمورا به . فظهر بهذا أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد أن يكون معصوما من الخطأ وذلك المعصوم إما أن يكون مجموع الأمة أو بعض الأمة ، لا جائز أن يكون بعض الأمة لأن الأمر بطاعتهم مشروط بمعرفتهم والقدرة على الاستفادة منهم ونحن عاجزون عن معرفتهم وعن الوصول إليهم واستفادة العلم والدين منهم ، فوجب أن يكون المراد من أولي الأمر مجموع الأمة أي مجموع أهل الحل والعقد من الولاة وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة . هذا خلاصة كلامه في تقرير الدليل على ما ادّعاه . وقوله تعالى :مِنْكُمْفي محل النصب على أنه حال من « أولي الأمر » متعلق بمحذوف أي وأولي الأمر كائنين منكم ، « ومن » تبعيضية إذ لا شك أن الأمراء والسلاطين بعض الأمة وكذا العلماء المجتهدون .
قوله : ( وأجيب بأن رد المختلف إلى المنصوص عليه الخ ) قال الإمام : اعلم أن قوله تعالى : إنتَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِيدل عندنا على أن القياس حجة والذي يدل على ذلك أن قوله :فَإِنْ تَنازَعْتُمْأي اختلفتم فيما حكمه منصوص أو فيما حكمه غير منصوص فردوه إلى أحد هذه الثلاثة . والأول باطل لأن وجوب المراجعة إلى أحد الثلاثة فيما ثبت حكمه به قد فهم من قوله تعالى :أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[ النساء : 59 ] فعلى تقدير أن يكون المراد به المعنى الأول يكون قوله :فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِإعادة لعين ما مضى وهو غير جائز . وإذا بطل الاحتمال الأول تعين الثاني وهو أن المراد إن تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والإجماع وإذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله :فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِطلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له وذلك هو القياس . فثبت أن الآية دالة على الأمر بالقياس كما أنها دالة على وجوب المراجعة إلى الكتاب والسنة والإجماع ، وقد تقرر عند