أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
نزلت في يهود كانوا يقولون إن عبادة الأصنام أرضى عند اللّه مما يدعو إليه محمد .
وقيل : في حيّي بن أخطب وكعب بن الأشرف وجمع من اليهود خرجوا إلى مكة يخالفون قريشا على محاربة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : أنتم أهل كتاب وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن إليكم ففعلوا . والجبت في الأصل اسم صنم فاستعمل في كل ما عبد من دون اللّه . وقيل : أصله الجبس وهو الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاء . والطاغوت يطلق لكل باطل من معبود أو غيره .
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
لأجلهم ودينهم
هؤُلاءِ
إشارة إليهم
أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا
( 51 ) أقوم دينا وأرشد طريقا
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً
( 52 ) يمنع عنه العذاب بشفاعة أو غيرها .
شرح
قرأوا كتبوا إليه : إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا . فنزل :إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُفبعث بها إليهم فبعثوا إليه : إنّا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته تعالى . فنزل :قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ[ الزمر : 53 ] الآية فبعث بها إليهم فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسّلام فقبل منهم ، ثم قال لوحشي : « أخبرني كيف قتلت حمزة » ؟ فلما أخبره قال : « ويحك غيب وجهك عني » فلحق بالشام وكان بها إلى أن مات . قوله : ( نزلت في يهود كانوا يقولون إن عبادة الأصنام الخ ) اعلم أنه تعالى حكى عن اليهود نوعا آخر من المكر وهو أنهم يفضلون عبادة الأوثان على المؤمنين ولا شك أنهم كانوا عالمين بأن ذلك باطل وكان إقدامهم على هذا القول محض العناد والتعصب . روي أن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يخالفون قريشا على محاربة الرسول عليه الصلاة والسّلام وكان ذلك بعد واقعة أحد وقد جرى قبل ذلك بين اليهود وبينه عليه الصلاة والسّلام عهد على أنهم إن لم يكونوا في نصرته عليه الصلاة والسّلام وتقوية دينه لا يكونوا عليه منضمين إلى أعدائه ومن يحارب معه . ونقضوا العهد بفعلهم هذا فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه ونزل اليهود دور قريش فقال أهل مكة : إنكم أهل كتاب مثل محمد فأنتم أقرب إليه منكم إلينا فلا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لآلهتنا وآمنوا بها حتى تطمئن قلوبنا إليكم . ففعلوا فذلك قوله تعالى :يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِوهما الصنمان ثم قال كعب لأهل مكة : ليجىء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب هذا البيت لنجتهدن على قتال محمد . ففعلوا ثم قال أبو سفيان لكعب : إنك لامرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقا أنحن أم محمد ؟ فقال كعب : أعرضوا