لمن يشاء وهو من تاب . وفيه تقييد بلا دليل إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى منه ونقض لمذهبهم فإن تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة والصّفح بعدها . فالآية كما هي حجة عليهم فهي حجة على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه خالد في النار
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً
( 48 ) ارتكب ما يستحقر دونه من الآثام . وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذلك الاختلاق .
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ
يعني أهل الكتاب قالوا :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
[ المائدة : 18 ] وقيل : ناس من اليهود جاؤوا بأطفالهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : هل على هؤلاء ذنب ؟ قال : « لا » قالوا : واللّه ما نحن إلّا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل وما عملنا بالليل كفّر عنا بالنهار . وفي معناهم من زكّى نفسه وأثنى عليها .
بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
تنبيه على أن تزكيته هي المعتدّ بها دون تزكية غيره فإنه العالم بما ينطوي عليه الإنسان من حسن وقبيح وقد ذمّهم وزكّى المرتضين من عباده المؤمنين .
وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلا أو قولا .
وَلا يُظْلَمُونَ
بالذم أو العقاب على تزكيتهم أنفسهم بغير حق .
فَتِيلًا
( 49 ) أدنى ظلم وأصغره ، وهو الخيط الذي في شق النواة يضرب به المثل في الحقارة .
انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
في زعمهم أنهم أبناء اللّه وأزكياء عنده .
وَكَفى بِهِ
بزعمهم هذا أو بالافتراء
إِثْماً مُبِيناً
( 50 ) لا يخفى كونه مأثما من بين آثامهم .
شرح
أن قوله تعالى :لِمَنْ يَشاءُمتعلق بالجملتين فإذا علق بقوله :لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِيكون معناه لمن يشاء أن لا يغفر له لأن مفعول المشيئة محذوف لدلالة الكلام السابق عليه ، ومن يشاء اللّه أن لا يغفر له هو غير التائب لأن من تاب يجب أن يغفر له وقد أفادت مشيئته عدم غفرانه أنه ما تاب . وإذا علق بقوله :يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَكان معناه لمن يشاء أن يغفر له ومن يشاء أن يغفر له هو التائب فإنه إن لم يتب لم يغفر له بناء على ما ذهبوا إليه من أن وعيد أهل الكبائر غير منقطع . روي أن الآية نزلت في وحشي بن حرب وأصحابه وذلك أنه لما قتل حمزة رضي اللّه عنه كان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك فلما قدم مكة ندم على صنيعه هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّا قد ندمنا على الذي صنعنا وأنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أننا سمعناك تقول وأنت بمكةوَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ[ الفرقان : 68 ] الآية وقد دعونا مع اللّه إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم اللّه وزنينا فلولا هذه الآيات لاتبعناك . فنزل :إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً[ الفرقان : 70 ] الآيتين فبعث بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم فلما