والتغيير . ولذلك قيل معناه من قبل أن نغيّر وجوها فتسلب وجاهتها وإقبالها ونكسوها الصغار والإدبار أو نردها إلى حيث جاءت منه وهي أذرعات الشام يعني إجلاء بني النضير .
ويقرب منه قول من قال : إن المراد بالوجوه الرؤساء أو من قبل أن نطمس وجوها بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار ونصمّ الأسماع عن الإصغاء إلى الحق بالطبع ونردّها من الهداية إلى الضلالة .
أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ
أو نخزيهم بالمسخ كما أخزينا به أصحاب السبت أي نمسخهم مثل مسخهم أو نلعنهم على لسانك كما لعناهم
شرح
الزمان نحو : قام زيد فقعد عمرو ، والثاني أن يكون المذكور بعدها كلاما مرتبا على ما قبلها في الذكر كما في قوله تعالى :ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ[ غافر : 76 ] وقوله تعالى :وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ[ الزمر : 74 ] فإن ذكر ذم الشيء أو مدحه يصح بعد جري ذكره . ومن هذا الباب عطف تفصيل المجمل على المجمل فإن موضع ذكر التفصيل بعد الإجمال كقولك :
أجبته فقلت : لبيك قال تعالى :وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاًفإن تبييت البأس تفصيل للإهلاك المجمل . وكذا الحال فيما نحن فيه فإن رد الوجوه على هيئة الأدبار تفصيل للطمس المجمل ، والفرق بين الاحتمالين إنما هو بأن العذاب على الاحتمال الأول واحد بالذات وعلى الثاني متعدد وقع أحدهما عقيب الآخر بلا مهلة ولا تراخ بأن طمست وجوههم أولا وردت على أدبارها بعده . قوله : ( ولذلك قيل معناه من قبل أن نغير وجوها الخ ) إشارة إلى ما قيل من أن هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى ، وأول ذلك بإجلاء بني النضير وقريظة إلى الشام فرد اللّه وجوههم على أدبارهم حتى عادوا إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام كما جاؤوا منها قديما . وطمس الوجوه على هذا التأويل يحتمل معنيين : أحدهما تقبيح صورهم يقال : طمس اللّه وجهه أي قبحه ، والثاني إزالة آثارهم من بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها بإجلائهم إلى أذرعات الشام . فطمس الوجوه وتغييرها سواء كان ذلك التغيير بتقبيحها أو بردها إلى حيث جاءت منه مستعمل في معنى مجازي . قوله : ( ويقرب منه قول من قال ) لاشتراكهما في أن المراد بالطمس القلب والتغيير . والفرق أن الوجوه على هذا القول بمعنى رؤسائهم ووجهائهم ، والمعنى من قبل أن نغير أحوالهم وجهاتهم بأن نعمي أبصارهم عن الاعتبار الخ . قوله : ( أو نخزيهم بالمسخ ) على أن لا يكون المراد باللعن المتعارف بل يراد به المسح كما نقل ذلك عن مقاتل وغيره حيث قالوا : المراد باللعن مسخهم قردة وخنازير . وقال أكثر المحققين : الأظهر حمل الآية على اللعن المتعارف ، ألا يرى إلى قوله سبحانه وتعالى :قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ[ المائدة : 60 ] فجمع اللّه بين اللعن وبين مسخهم قردة