يراد بالقلة العدم كقوله :
قليل التشكي للمهم يصيبه
أو إلا قليلا منهم آمنوا أو سيؤمنون .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها
من قبل أن نمحو عنهم تخطيط صورها ونجعلها على هيئة أدبارها يعني الإقفاء ، أو ننكّسها إلى ورائها في الدنيا أو في الآخرة . وأصل الطمس إزالة الأعلام المماثلة . وقد يطلق بمعنى الطلس في إزالة الصورة ولمطلق القلب
شرح
إيمانهم قليلا لا يعتد به . ويجوز أن يراد بالقلّة العدم كما في قوله :( قليل التشكي للمهم يصيبه )أي عديم التشكي فاستعمل القليل وأريد به العدم . فكذا معنى الآية إلا إيمانا معدوما فهو استثناء للإيمان المعدوم على تقدير المحال ، وهو أن الإيمان المعدوم إيمان وذلك أبلغ في نفي الإيمان منهم . والاستثناء على هذا الوجه وعلى الوجه الأول مفرغ من المصدر المحذوف وعلى الوجه الأخير الذي أشار إليه بقوله : « أو إلا قليلا منهم » فالاستثناء متصل من فاعل« يُؤْمِنُونَ »فالقلة على هذا صفة لمن آمن منهم لا للإيمان . قوله : ( من قبل أن نمحو ) فإن الطمس المحو يقال : طمسته فطمس أي درس يتعدى ولا يتعدى ، يقال : طمس الطريق بطمس وطمسته أنا . ومحو تخطيطها ونقشها عبارة عن محو ما فيها من عين وسمع وشعر وفم وأنف وحاجب وجعلها كخف البعير أو حافر الفرس فإن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من المحاسن فإذا أزيلت عنه تلك المحاسن كان ذلك طمسا للوجه .
فإن الوجه إذا جعل على هيئة القفا كان ذلك تشويها فظيعا للخلقة الحسنة ومثلة وفضيحة عظيمة توجب الغم والحسرة الشديدة . هذا على تقدير أن يراد برد الوجوه على أدبارها جعلها على هيئة القفا في كونه عديم المحاسن والحواس . ويحتمل أن يراد به رد الوجوه إلى ناحية القفا ورد القفا إلى ناحية القدام . وصاحب الكشاف جعل الفاء في قوله :فَنَرُدَّهاعلى الاحتمال الأول للسببية ، وعلى الاحتمال الثاني للتعقيب . ومعنى السببية على الأول إنما يظهر على تقدير أن يراد بالطمس إرادة الطمس لأن طمس الوجوه وردها على هيئة الأدبار واحد بحسب الوجود وإن اختلفا مفهوما فلا سبيل إلى السببية إلا على ذلك التقدير ، لأن السببية إنما هي فيما بين الموجودين لا المفهومين حينئذ يكون كقوله :أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا[ الأعراف : 4 ] كذا قيل . والظاهر أن الفاء على الأول للتعقيب ، فإن التعقيب يكون على وجهين : الأول أن يكون مضمون ما بعد الفاء عقيب مضمون الجملة التي قبلها في