الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
( 17 ) حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب فإنّ معاملته مع اللّه تعالى إما توسّل وإما طلب :
والتوسل إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما ، وإما بالبدن وهو إما قولي وهو الصدق ، وأما فعليّ وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة ، وإما بالمال وهو الإنفاق في سبيل الخير . وأما الطلب فالاستغفار لأن المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها ، وتوسيط الواو بينها للدلالة على استقلال كل واحدة منها وكمالهم فيها أو لتغاير الموصوفين بها . وتخصيص الأسحار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة لأن
شرح
يعني أن قولهم :رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنايدل على أنهم توسلوا بمجرد الإيمان إلى رحمة اللّه تعالى ومغفرته . ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر السورةرَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ[ آل عمران : 193 ] والآية حجة على من جعل الطاعات جزءا من الإيمان لأن الإيمان لو كان اسما لجميع الطاعات لما مدحهم اللّه تعالى بمجرد قولهم :إِنَّنا آمَنَّافإن قيل : أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة حيث اتبع هذه الآية بقوله :الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَالآية ؟ والجواب أن هذه الآية تؤكد ما قلنا لأنه تعالى جعل مجرد الإيمان وسيلة إلى طلب المغفرة والمذكور بعده وهي الصفات التي ارتقى بها المؤمنون إلى درجة المتقين المذكورين بقوله : ( الذين اتقوا ) لو كانت شرطا لحصول المغفرة لوجب ذكرها قبل طلب المغفرة .
قوله : ( والصبر يشملهما ) لأن الصبر حبس النفس على ما يعسر عليها تحمله فيدخل فيه الصبر على أداء الواجبات والمندوبات وفي ترك المحذورات من المشتهيات وفي كل ما ينزل من المحن والشدائد بأن لا يخرج عن شيء من ذلك بل يكون راضيا بقلبه عن اللّه تعالى . قوله : ( وتوسيط الواو ) أي العاطف المنبىء عن تغاير المعطوف والمعطوف عليه ولا تغاير ههنا لأن الصفات المذكورة كأنها لموصوف واحد ، فينبغي أن لا يعطف بعضها على بعض كما في قوله تعالى :هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ[ الحشر : 24 ] وأجاب عنه أولا بأنه قد يتخلل العاطف بين صفات موصوف واحد كما في قوله :إلى الملك القرم وابن الهما * م وليث الكتيبة في المزدحمتنزيلا لكل واحدة من الصفات المعلومة منزلة الذوات المتباينة على أن كل واحدة منها لما بلغت من الكمال مبلغا خرجت به عن عداد أمثالها صارت كأنها لا يتحملها ذات الموصوف فلا تكون من الصفات القائمة ، فنزلت منزلة ذوات مستقلة عن الموصوف غير