وَابْتَلُوا الْيَتامى
اختبروهم قبل البلوغ بتتبّع أحوالهم في صلاح الدين والتهدّي إلى ضبط المال وحسن التصرف بأن يكل إليه مقدمات العقد . وعند أبي حنيفة بأن يدفع إليه
شرح
أنت أهله ، وإن غنمت في غزاتي هذه جعلت لك حظا وقسمة . والقول المعروف أن يعرف الولي الصبي أن المال ماله وهو خازن له وأنه إذا زال صباه وحصل له حسن التدبير في ماله يرد المال إليه ، وأن يعظه وينصحه ويحثه على أداء الصلوات وتعلم أحكام الدين ويرغبه في ترك التبذير والإسراف ، ويعرفه أن عاقبة التبذير الاحتياج إلى الخلق ونحو ذلك مما حسنه الشرع والعقل من الكلام . قوله : ( اختبروهم قبل البلوغ ) لأن قوله تعالى :حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَيدل على أن البلوغ غاية الابتلاء فلا بد أن يكون الابتلاء مقدما على البلوغ فإن « حتى » هذه حرف غاية دخلت على الجملة الشرطية وجوابها والمعنى : ابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد ، فهي حرف ابتداء دخلت على الجملة الشرطية كالتي دخلت على سائر الجمل كما في قوله :فما زالت القتلى تمج دماءها * بدجلة حتى ماء دجلة أشكلأي احمرّ . يقال : دم أشكل إذا كان فيه حمرة يخالطها بياض . وتمج أي تلقي وتدفع .
و « إذا » الواقعة بعد « حتى » متضمنة معنى الشرط وفعل الشرط « بلغوا النكاح » . وقوله :فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْجملة من شرط وجزاء جوابا للشرط الأول الذي هوإِذا بَلَغُوا النِّكاحَفالفاء في« فَإِنْ آنَسْتُمْ »فاء جواب « إذا » وفي قوله :فَادْفَعُوافاء جواب « إن » فاللّه تعالى لما أمر قبل هذه الآية بدفع مال اليتيم إليه حيث قال :وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْبيّن بهذه الآية متى تؤتوهم أموالهم فشرط في دفع أموالهم إليهم شرطين : أحدهما بلوغ النكاح ، والثاني إيناس الرشد ومعرفته فيهم . فإن قوله :آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداًأي عرفتم . وقيل : أي رأيتم . وأصل الإيناس في اللغة الإبصار ومنه قوله تعالى :آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً[ القصص : 29 ] وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا تعلق له بصلاح ماله بل لا بد وأن يكون هذا مراد أو هو أن يعلم أنه مصلح لماله حتى لا يقع منه إسراف ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته . ثم اختلفوا في أنه هل يضم إليه الصلاح في الدين ؟ فعند الإمام الشافعي لا بد منه ، وعند أبي حنيفة هو غير معتبر في الرشد الذي هو شرط لدفع المال إليه . والصلاح في الدين هو أن يكون مجتنبا عن الفواحش والمعاصي التي تسقط العدالة ، والصلاح في أمر المال أن لا يكون مبذرا والتبذير هو أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيوية ولا مثوبة أخروية ولا يحسن التصرف فيغبن في البيوع .
قوله : ( بأن يكل إليه مقدمات العقد ) هذا عند الإمام الشافعي ، فإن تصرف الصبي العاقل المميز عنده سواء أذن له الولي في ذلك أو لم يأذن لا يجوز لأنه سبحانه وتعالى إنما