وَلا تَأْكُلُوها
يدل على أنه نهي للأولياء أن يأخذوا وينفقوا على أنفسهم أموال اليتامى .
فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ
بأنهم قبضوها فإنه أنفى للتهمة وأبعد للخصومة ووجوب الضمان . وظاهره يدلّ على أن القيم لا يصدق في دعواه إلّا بالبيّنة وهو المختار عندنا ومذهب مالك ، خلافا لأبي حنيفة .
وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً
( 6 ) محاسبا فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تتجاوزوا ما حدّ لكم .
شرح
من مال اليتيم إذا احتاج إليه فإذا أيسر قضى ما استقرضه . روي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وعبد اللّه بنت مسعود وعثمان بن ضيف : « سلام عليكم . أما بعد ، فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار وربعها لعبد اللّه بن مسعود وربعها لعثمان ألا وإني نزلت نفسي وإياكم من مال اللّه بمنزلة ولي اليتيم فمن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف » . وقيل : القول بالاستقراض مختص بأصول الأموال من الذهب والفضة وغيرهما ، وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال تمسكا بقوله سبحانه وتعالى :فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْفحكم في الأموال بدفعها إليهم . قوله : ( فإنه أنفى للتهمة ) أي عن نفسه أي لئلا يتهم الناس الأولياء والأوصياء أنهم خانوا في أموال اليتامى وأضاعوها . وإزالة التهمة عن نفسه مندوب لكل أحد قال عليه الصلاة والسّلام : « اتقوا مواقع التهم » . وقال عليه الصلاة والسّلام : « من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم » . فأمره بالإشهاد لتظهر أمانته وتزول التهمة عنه ، والأمر بالإشهاد ليس للوجوب بل هو أمر إرشاد إلى ما هو الأحوط والأولى . واختلفوا في أن الوصي إذا ادّعى بعد بلوغ اليتيم أنه دفع المال إليه هل يصدق أو لا ؟ وكذلك لو ادّعى أنه أنفق عليه في صغره هل يصدق أو لا ؟ قال الإمام مالك والإمام الشافعي رضي اللّه عنهما : لا يصدق استدلالا بهذه الآية ، فإن الأمر بالإشهاد يدل على وجوبه وعلى أن دعواه لا تقبل إلا بالبينة . وقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه وأصحابه : يصدق لأنه لو لم يقبل قوله لامتنع الناس من قبول الوصايا فيقع الخلل في هذا المهم العظيم ، إلا أن الاستشهاد أولى لأنه إذا لم يشهد فادّعى عليه يتوجه اليمين إليه فإن حلف يتهم بالحلف الكاذب وإن نكل يجب الضمان عليه وكلاهما محذور ، ولو أقام البينة على أنه دفع المال إليه لتخلص من كل واحد من المحذورين .
قوله تعالى :( وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً )« كفى » فعل والمجرور بالباء فاعله كما في هذه الآية وفي مضارعه أيضا نحو قوله تعالى :أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ[ فصلت : 53 ] و « كفى » متعد إلى واحد وهو محذوف هنا تقديره : وكفاكم اللّه . وانتصاب « حسيبا » إما على أنه تمييز أو على أنه حال . نقل عن ابن الأنباري والأزهري رحمهما اللّه أنهما قالا : يحتمل أن يكون الحسيب