تعالى من المال فيعطي امرأته وأولاده ثم ينظر إلى أيديهم . وإنما سمّاهم سفهاء استخفافا بعقلهم واستهجانا لجعلهم قوّاما على أنفسهم وهو أوفق لقوله :
الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
أي تقومون بها وتنتعشون . وعلى الأول يؤوّل بأنها التي من جنس ما جعل اللّه لكم قياما وسمي ما به القيام قياما للمبالغة . وقرىء « قيما » بمعناه كعوذ بمعنى عياذ و « قواما » وهو ما يقام به .
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
واجعلوها مكانا لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا فيها وتحصّلوا من نفعها ما يحتاجون إليه .
وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً
( 5 ) عدة جميلة تطيب بها نفوسهم . والمعروف ما عرّفه الشرع أو العقل بالحسن ، والمنكر ما أنكره أحدهما لقبحه .
شرح
الثاني تكون حقيقة وعلى القول الأول تكون الأموال للسفهاء لا للأولياء فإضافتها إلى الأولياء لا لأنهم مالكوها بل من حيث إنهم ملكوا التصرف فيها وكونها في ولايتهم ، ويكفي في حسن الإضافة أدنى ملابسة وسبب . قوله : ( وإنما سمّاهم سفهاء ) جواب عما يقال : السفهاء على القول الثاني عبارة عن النساء والأولاد وإن لم يكونوا سفهاء في نفس الأمر فلم سماهم سفهاء ؟ ويرجح القول الثاني قوله تعالى :الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماًلأن قيام كل أحد ، إنما هو مال نفسه لا مال اليتيم الذي تحت ولايته ، فتوصيف الأموال بأنها قيام للمخاطبين يرجح القول بعموم الخطاب ويكون إضافة الأموال حقيقة . وعلى القول الأول يكون المراد بالأول أموال اليتامى وتلك الأموال لما اتحدت مع الأموال التي جعلها اللّه تعالى سبب قيام المخاطبين بالجنس صح أن يحكم عليها بأنها سبب قيام المخاطبين ، كما صح أن يقال : البقر متحد مع الغنم في الحيوانية . والقيام مصدر قام وأصله قوام أبدلت الواو ياء لما ذكر في الصرف . والقيم مصدر بمعنى القيام وليس مقصورا منه عند الكسائي . قيل : إنه مقصور منه حذف ألف قيام تخفيفا كما قال : صيم في صيام ، ومخيط في مخياط . والقوام إما مصدر قاوم نحو : لاوذ لواذا صحت الواو في المصدر كما صحت في الفعل ، أو أنه اسم لما يقوم به الشيء وليس بمصدر كقولهم : هذا من ملاك الأمر أي ما يملك به . واختار المصنف هذا الوجه . قوله : ( واجعلوها مكانا ) إشارة إلى أن كلمة « في » للظرفية لا بمعنى « من » التبعيضية فليس المعنى أمر الأولياء بأن يجعلوا بعض أموال اليتامى رزقا لهم ، بل المعنى أمرهم بأن يجعلوا تلك الأموال مكان رزقهم بأن يتجروا فيها فيجعلوا رزقهم من الأرباح لا من أصول المال لئلا يفنيها الإنفاق . فلما كانت الأموال ظروفا للأرباح كانت ظروفا لرزق الأيتام أيضا .
وفي الوسيط : وإنما قال : « فيها » ولم يقل « منها » لأنه أراد اجعلوا لهم فيها رزقا كأنه أوجب لهم ذلك في المال . وما ذكره لا يكون وجها للعدول عن كلمة « من » إلا بأن يريد به ما ذكره المصنف فليتأمل . قوله : ( عدة جميلة ) مثل أن يقول : إن ربحت في سفري هذا فعلت بك ما