إليهما لأنهما في معنى المخلوق . والمعنى ما خلقته عبثا ضائعا من غير حكمة بل خلقته لحكم عظيمة من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإنسان وسببا لمعاشه ودليلا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جوارك .
سُبْحانَكَ
تنزيها لك من العبث وخلق الباطل وهو اعتراض
فَقِنا عَذابَ النَّارِ
( 191 ) للإخلال بالنظر فيه والقيام بما يقتضيه . وفائدة الفاء هي الدلالة على أن علمهم بما لأجله خلقت السماوات والأرض حملهم على الاستعاذة .
شرح
إليه مذكرا فإن كان الخلق بمعناه لا يجوز أن يكون هذا إشارة إليه ولا معنى لأن يقال : ما خلقت الخلق بمعنى المصدر . ولا يجوز أن يكون إشارة إلى السماوات والأرض وإلا لقيل ما خلقت « هذه » بلفظ التأنيث فينبغي أن يكون إشارة إلى المتفكر فيه الذي هو مدلول الكلام أي الذي تفكروا في خلقه من نفس السماوات والأرض وما فيهما من العجائب . ويجوز أن يكون إشارة إلى الخلق على تقدير أن يكون بمعنى المخلوق كأنه قيل : ويتفكرون في مخلوق السماوات والأرض على طريق إضافة العام إلى الخاص كما أشار إليه المصنف بقوله : « على أنه أريد به المخلوق من السماوات » ب « من » البيانية . ويجوز أن يشار به إلى السماوات والأرض باعتبار كونهما في تأويل المخلوق وقوله :باطِلًامنصوب على أنه صفة مصدر محذوف أي ما خلقته خلقا باطلا ومعنى بطلانه كونه عبثا ضائعا خاليا عن الحكمة . ويحتمل أن يكون حالا من المفعول به و « هذا » و « سبحانك » اعتراض للتنزيه عن العبث وأن يخلق شيئا من غير حكمة . قوله : ( وفائدة الفاء الخ ) يعني أن الفاء للدلالة على أن ما بعدها وهو الاستعاذة مرتب على ما ذكر قبلها وهو اعترافهم بالعلم بما لأجله خلقت السماوات والأرض وهو أن نستدل بها على معرفتك بما يليق بشأنك إلا على معرفة تحثّنا على ملازمة طاعتك والاجتناب عن معصيتك وبالإخلال بما يجب عليهم من النظر والاستدلال المذكور ، فإن الكلام الخبري إذا ألقي لمن هو عالم بفائدة الخبر ولازمها فلا بد أن يكون ذلك الإلقاء مقصودا والمقصود المناسب لهذا المقام هو الاعتراف المذكور والاستغفار عما اعترف به من التقصير في الجري على مقتضى العلم . وكلمة« مَنْ »في قوله تعالى :مَنْ تُدْخِلِ النَّارَشرطية وهي مفعول مقدم واجب التقديم لأن لها صدر الكلام و « تدخل » مجزوم بها و « فقد أخزيته » جوابها والجملة الشرطية في محل الرفع على أنها خبر « أنك » يقال : خزيته وأخزيته ثلاثيا ورباعيا والأكثر الرباعي ، وخزى الرجل يخزي خزيا إذا افتضح ، وخزاية إذا استحيى . فالفعل واحد وإنما يتميز بالمصدر . والإخزاء يحتمل أن يكون من « خزى » بمعنى افتضح أو من « خزى » بمعنى استحيى . فعلى الأول يكون بمعنى الإهانة والتفضيح وعلى الثاني يكون بمعنى أن يعمل به عملا يخجله ويستحيي منه ،