رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ
أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه . وفيه مبالغة ليست في إيقاعه على نفس المسموع ، وفي تنكير المنادي وإطلاقه ثم تقييده تعظيم لشأنه ، والمراد به الرسول عليه الصلاة والسّلام .
شرح
للمنع من دخولها وبعد الدخول للخروج منها . والمعتزلة تمسكوا في نفي الشفاعة للفساق بهذه الآية قالوا : إن الشفاعة نوع نصرة ونفي جنس النصرة يقتضي نفي جميع أنواعها . وأجاب المصنف عنه بمنع كون الشفاعة نوعا من النصرة حتى يكون نفي الناصر مستلزما لنفي الشفيع ، وذلك لأن النصرة هي الدفع بطريق القهر والغلبة والشفاعة هي الدفع بطريق اللين والمسألة ، فنفي أحدهما لا يدل على نفي الآخر ولهذا لم يكن نفيهما معا في نحو قوله تعالى :وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ[ البقرة : 123 ] تكرارا فلا تصلح الآية متمسكا لنفاة الشفاعة .
قوله : ( أوقع الفعل على المسمع ) يعني أن فعل السماع لا بد أن يتعلق بالمسموع ولا يتعلق بالذوات إلا إذا وصفت بما يدل على المسموع فحينئذ يحذف المسموع اكتفاء بدلالة الصفة عليه . واعلم أن فعل السماع إن ذكر بعده ما يصح أن يسمع نحو : سمعت كلامك أو قراءتك فهو حينئذ يتعدى إلى مفعول واحد بالاتفاق ، وأما إن ذكر بعده ما لا يصح سماعه بأن كان من قبيل الذوات والأعيان فحينئذ لا يصح الاقتصار عليه وحده بل لا بد من ذكر شيء يسمع نحو : سمعت رجلا يقول كذا وسمعت زيدا يتكلم بكذا . وللنحويين في هذه الصورة قولان : أحدهما أن يتعدى حينئذ أيضا إلى مفعول واحد والجملة الواقعة بعد المنصوب في محل النصب على أنها صفة للمنصوب قبلها وعلى قول الفارسي تكون في محل النصب على أنها مفعول ثان « لسمعنا » وفي إيقاع الفعل على المسمع مبالغة في تحقيق السماع لأن تعيين القائل وتوصيفه بما يدل على المسموع حالة زائدة مبنية على ادعاء أن القائل المتقين بكونه قائلا لذلك المسموع كأنه نفس ذلك المسموع وليست هذه الحالة في إبقاء الفعل على نفس المسموع فاختار المصنف وصاحب الكشاف قول الجمهور . قوله :
( وفي تنكير المنادي وإطلاقه ثم تقييد تعظيم لشأنه ) كون التنكير مفيدا للتعظيم شائع وكذا كون إبهام الشيء ثم تفسيره مفيدا لتعظيم ذلك الشيء مسلم مقبول لكن كون إطلاق فعل النداء وعدم تقييده بما يتعلق بالمنادي له ثم تقييده بذلك مفيدا لذلك محل بحث لأن الإطلاق والتقييد المذكورين تعظيم المنادي له لأنه الذي أبهم ثم فسر . غاية ما في الباب أن تعظيم المنادي له يستتبع تعظيم المنادي وتعظيم النداء المتعلق به ضرورة إن شرف المتعلق يستلزم شرف ما تعلق به ولعل مراد المصنف بقوله : « إطلاق المنادي ثم تقييده يفيد تعظيم شأن المنادي » . أنه يفيد دلك بواسط كونه مفيدا لتعظيم شأن المنادى له لا إنه يفيد ذلك بالذات . قوله : ( والمراد به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ) فإنه ينادي ويدعو إلى الإيمان حقيقة قال تعالى :ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ