تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
أي يذكرون اللّه دائما على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين . وعنه عليه الصلاة والسّلام : « من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر اللّه » . وقيل : معناه يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم ، لقوله عليه الصلاة والسّلام لعمران بن حصين : « صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك تومىء إيماء فهو حجة للشافعي رضي اللّه عنه في أن المريض
شرح
ونهاية أمره يكون لبا . وفي أول أمره وإن احتاج إلى الدلائل وتظاهر بعضها ببعض لكنه في حال كماله لا يحتاج إلى تكثير الأدلة بل يكتفي بخلاصة الدلائل وزبدتها ، فإن الدلائل مع كثرتها غاية الكثرة منحصرة في ثلاثة أنواع لأنها إما سماوية أو أرضية أو مركبة منهما . فأشار إلى الأول بقوله :إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِوإلى الثاني بقوله :وَالْأَرْضِوإلى المركبة بقوله :وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِلأن تحققه بسبب دوران الشمس على الأرض . ووجه دلالتهما على ما ذكر من الوحدانية وكمال العلم والقدرة أنه تعالى جعل منافع السماء مع بعدها من الأرض متصلة بمنافع الأرض حتى لا تقوم منافع هذه إلا بمنافع الأخرى فصيرهما بحسب اتصال المنافع كالمتصلين مع بعد ما بينهما ولو كان لكل واحدة منهما منافع على حدة لمنعت كل واحدة منهما منافع ملكها عن الأخرى فدل اتصال المنافع على اتحاد الصانع والمالك ، لأن الأشياء المخلوقة على تضاد من الطبائع من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة لما جعلت مع اختلافها وتضادها كالأشكال والأمثال في حق اتصال بعضها ببعض دل ذلك على أن منشئها واحد كامل العلم عظيم القدرة ، وخلق هذه الأشياء لمجرد الإفناء عبث لا يليق بشأن من كان في العلم والقدرة بهذه المثابة فلا بد أن يكون خلق السماوات والأرض لحكمة وتلك الحكمة لا ترجع إلى نفسهما إذ لا منفعة لهما في الخلق بكون خلقهما لأنفسهما فتعيّن أن يكون خلقهما لمنفعة البشر ليستدلوا بهما على وجود الصانع وجلاله وجماله ويستعينوا بهما على مصالح معادهم ومعاشهم ويستكملوا بحسب قوتهم النظرية والعملية ويتوسلوا بتلك الأشكال إلى نيل سعادة الآخرة . ثم لما فرغ من ذكر آيات الربوبية شرع في بيان العبودية ولما كان الإنسان مركبا من النفس والبدن كانت العبودية بحسب النفس وبحسب البدن ، فأشار إلى عبودية البدن بقوله :الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْفإن ذلك لا يتم إلا باستعمال الجوارح والأعضاء ، وأشار إلى عبودية القلب والروح بقوله :وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِوإنما خصص التفكر بالخلق لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق » وإنما نهى عن التفكر في الخالق لأن معرفة حقيقته المخصوصة غير ممكنة للبشر فلا فائدة لهم في التفكر في ذات الخالق . ثم شرع في تعليم الدعاء تنبيها على أن الدعاء إنما يجدي ويستحق الإجابة إذا كان بعد تقديم الوسيلة
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 232 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين