تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ
أي المشتهيات . سماها شهوات مبالغة وإيماء إلى أنهم انهمكوا في محبّتها حتى أحبوا شهوتها كقوله تعالى :
أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ
شرح
عبرة يحتمل الأمرين أي يحتمل أن يكون كونها آية لما فيها من التقليل والتكثير أو من غلبة الضعفاء على الأقوياء . فعلى هذا التقدير تكون كلمة « في » في الموضعين للظرفية . وأما قوله : « وكون الوقعة آية أيضا » يشعر كونها للتجريد فيهما كما في قوله تعالى :لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ[ فصلت : 28 ] فإن الجنة نفسها دار الخلد لا أن فيها دار الخلد للداخلين ، فلا جرم حملت كلمة « في » على التجريد كذا الحال إذا كان نفس الوقعة آية وعبرة تكون « في » للتجريد أيضا . قوله : ( المشتهيات ) يعني أن الشهوات جمع شهوة بسكون العين فحركت في الجمع . والشهوة مصدر معناه ميل النفس وتوقانها إلى الشيء يقال : اشتهى يشتهي شهوة . والمراد ههنا بالشهوات المشتهيات إذ لو أريد بها المعنى المصدري لما جمع . ويدل عليه أيضا بيانها بالمشتهيات حيث قيل :مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَالآية . وسميت شهوات للمبالغة في نزوع النفس إليها بحيث كأنها صارت عين النزوع والميلان كما يقال : رجل عدل للمبالغة في عدالته إيماء إلى كمال محبتهم إياها . فإن الإنسان قد يحب شيئا لكنه يحب أن لا يحبه كمسلم يميل طبعه إلى بعض المحرمات لكنه يحب أن لا يحبه وأما من أحب شيئا وأحب أن يحبه فذلك كمال المحبة كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه الصلاة والسّلام :إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي[ ص : 32 ] ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محبا للخير . قرأ العامة « زين » على بناء المفعول فالفاعل المحذوف هو اللّه تعالى عند أهل السنة بناء على أن الخالق لجميع الأفعال والدواعي هو اللّه تعالى . وأيضا لو كان المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان فإن كان ذلك شيطانا آخر لزم التسلسل وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان فليكن في الإنسان كذلك وإن كان من اللّه فهو الحق فليكن في حق الإنسان كذلك . ويؤيده قوله تعالى في سورة القصص :هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا[ القصص : 63 ] يعني إن اعتقد أحد أنّا أغويناهم فمن الذي أغوانا ؟ ثم التزيين من اللّه تعالى تزيين في الطباع بأن ركب في طباع البشر حب المستلذات والميل إليها والطبع يرغب فيما يتلذذ به ويشتهي وإن لم يكن حسنا في نفسه ، وتلك الرغبة والميلان بخلق اللّه تعالى لقوله تعالى :كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ[ الأنعام : 108 ] وتزيين في العقول ولا يتزين الشيء في العقل ولا يحسن إلا إذا كان حسنا في نفسه أو حمدت عاقبته أو تعلق به أمر النهي ونحو ذلك قال تعالى :وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ[ الحجرات : 7 ] وكذلك