« لا يخرجنّ معنا إلّا من حضر يومنا بالأمس » . فخرج عليه الصلاة والسّلام مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر ، وألقى اللّه الرّعب في قلوب المشركين فذهبوا ، فنزلت .
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
يعني الركب الذين استقبلهم من عبد قيس أو نعيم بن مسعود الأشجعي . وأطلق عليه الناس لأنه من جنسه كما يقال : فلان يركب الخيل وما له إلا فرس واحد أو لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه .
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
يعني أبا سفيان وأصحابه . روي أنه نادى عند انصرافه من أحد : يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت . فقال عليه السّلام : « إن شاء اللّه تعالى » . فلما كان القابل خرج في أهل مكة حتى نزل بمرّ الظهران فأنزل اللّه الرعب في قلبه وبدا له أن يرجع فمرّ به ركب من عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب أن ثبّطوا المسلمين . وقيل : لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فسأله ذلك والتزم له عشرا من الإبل فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهّزون فقال لهم : أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد أفترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم ففتروا ؟ فقال عليه السّلام :
« والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد » . فخرج في سبعين راكبا هم يقولون حسبنا اللّه .
فَزادَهُمْ إِيماناً
الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله إن أريد به نعيم وحده والبارز للمقول لهم . والمعنى أنهم لم يلتفتوا إليه ولم يضعفوا بل ثبت به
شرح
سوق لبني كنانة يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام ولم يلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه هناك أحدا من المشركين وأتوا السوق وكان معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدما وزبيبا وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين . ورجع أبو سفيان إلى مكة فعير أهل مكة جيشه وقالوا : إنما خرجتم لتشربوا السويق . فهذا وجه اتصال بدر الصغرى بغزوة أحد ، وأما اتصال غزوة حمراء الأسد بها فهو ما ذكره المصنف بقوله : « روي أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا فبلغوا الروحاء » وهو بالمد موضع بين مكة والمدينة .
قوله : ( إلا من حضر يومنا ) أي وقعتنا . والعرب تسمي الوقائع أياما قال تعالى :وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ[ إبراهيم : 5 ] . قوله : ( فتحاملوا ) أي حملوا المشقة على أنفسهم . قوله : ( فلم يفلت ) أي لم يتخلص . يقال : أفلت الشيء وتفلت وانفلت إذا تخلص فلته أي فجاءة .
والشريد الفار النافر البعيد .