بِهِمْ
أي بإخوانهم المؤمنين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم
مِنْ خَلْفِهِمْ
أي الذين من خلفهم زمانا أو رتبة .
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 170 ) بدل من الذين ، والمعنى أنهم يستبشرون بما تبيّن لهم من أمر الآخرة وحال من تركوا خلفهم من المؤمنين وهو أنهم إذا ماتوا أو قتلوا كانوا أحياء حياة لا يكدّرها خوف وقوع محذور وحزن فوات محبوب . والآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن ولا يتوقف عليه إدراكه وتألّمه والتذاذه . ويؤيّد ذلك قوله تعالى في آل فرعون
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها
[ غافر : 46 ] الآية وما روى ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه عليه الصلاة والسّلام قال : « أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلّقة في ظلّ العرش ومن أنكر ذلك ولم ير الروح إلّا ريحا وعرضا » قال : « هم أحياء يوم القيامة » . وإنما وصفوا في الحال لتحققه ودنوّه أو إحياء بالذكر أو بالإيمان . وفيها حث على الجهاد وترغيب في الشهادة وبعث على ازدياد الطاعة وإحماد لمن يتمنى لاخوانه مثل ما أنعم عليه وبشرى للمؤمنين بالفلاح .
وَيَسْتَبْشِرُونَ
كرره للتأكيد وليعلّق به ما هو بيان لقوله : أن لا خوف ،
شرح
فيكون استبشر بمعناه . وقيل : هو مطاوع أبشر نحو أراحه فاستراح . فإن البشرى حصلت لهم بتبشير اللّه تعالى وإليه أشار صاحب الكشاف بقوله : بشرهم اللّه بذلك فهم مستبشرون به .
والمصنف فسره بقوله : « يسرون بالبشارة » أي يفرحون بأن بشروا بحسن حال من تركوا خلفهم . والخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل في المستقبل والحزن يكون بسبب فوات المنافع التي كانت موجودة في الماضي فبيّن اللّه سبحانه أنه لا خوف عليهم بما سيأتيهم من أحوال يوم القيامة وأهوالها ولا حزن لهم بما فاتهم من نعيم الدنيا ولذاتها . عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : ينزل على الشهداء صحف مكتوب فيها أسماء من يلحق بهم ممن استشهدوا بعدهم فبذلك يستبشرون أي يفرحون . وقيل : يستبشرون أي يطلبون البشارة من اللّه لإخوانهم الذين فارقوهم على دينهم من المؤمنين ولأقربائهم بما نالوا من الكرامة والفضل والنعم التي أعطاهم اللّه تعالى إياها بسبب الشهادة ليعلموا بكرامتهم عند اللّه ويعظموا درجة الشهادة فيبعثهم ذلك على الجهاد الذي هو سبب ذلك . والاستبشار يذكر ويزاد به الفرح ويذكر ويراد به البشارة وذلك كقوله :يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي[ يس : 26 ، 27 ] الآية .
قوله : ( وليعلق به ما هو بيان لقوله أن لا خوف ) فإن الخوف غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من المكروه والحزن غم يلحقه من فوات منافع أو حصول مضار فذكر النعمة والفضل