ويجوز أن يكون الأول بحال إخوانهم وهذا بحال أنفسهم
بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
ثوابا لأعمالهم
وَفَضْلٍ
زيادة عليه كقوله :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ يونس : 26 ] وتنكيرهما للتعظيم
وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
( 171 ) من جملة المستبشر به عطف على فضل . وقرأ الكسائي بالكسر على أنه استئناف معترض دال على أن ذلك أجر لهم على إيمانهم مشعر بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيّعة .
شرح
بيان لقوله :وَلا هُمْ يَحْزَنُونَعلى الواقع ومن كان متقلبا في النعمة والفضل كيف يحزن على ما وقع وقوله :وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ[ آل عمران : 171 ] بيان لنفي الخوف لأنه يتعلق بالمتوقع فذكر أن أعمالهم مشكورة لا تضيع أجورها بيان أنه لا يلحقهم الغم مما يتوقع فيكون الاستبشار الثاني أيضا بحال إخوانهم حتى يكون ما ذكر من أحوالهم ثانيا مغايرا لما ذكر من أحوالهم أولا ، ولا يلزم منه أن يكون يستبشرون المذكور ثانيا تأكيدا لما ذكر أولا . قوله : ( ويجوز أن يكون الأول بحال إخوانهم ) لما تقرر أن ضمير« عَلَيْهِمْ »و« يَحْزَنُونَ »راجع إلى الذين لم يلحقوا بهم . والمعنى يستبشرون بأن الذين لم يلحقوا بهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وهذا الاستبشار بحال أنفسهم يكون استئنافا لبيان فرحهم بحال أنفسهم بعد بيان فرحهم بحال إخوانهم فلذلك لم يعطف وترك العاطف على الوجه الأول بناء على كونه تأكيدا ل « يستبشرون » الأول حيث قصد به بيان متعلق الاستبشار الأول . فإن قيل : أليس قد ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم بقوله :فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِوالفرح الاستبشار فيلزم التكرار ؟ فالجواب منع أن الفرح عين الاستبشار بناء على أن الاستبشار الحاصل بالبشارة يجوز أن يحصل بالفرح للشهداء من وجهين : فرح بما آتاهم اللّه من فضله في الحال وفرح بأن يبشروا بما سيجعل لهم في الآخرة من السعادة العظمى والكرامة العليا .
قوله : ( عطف على فضل ) والتقدير يستبشرون بنعمة اللّه وفضله وبأن اللّه لا يضيع أجر المؤمنين ووقع الظاهر موضع المضمر إيذانا بأن الثواب الواصل إلى الشهداء ليس مخصوصا بهم بل بكل مؤمن يستحق شيئا من الأجر والثواب ، وأنه تعالى يوصل إليه الثواب الموعود على عمله ولا يضيعه .
قوله : ( على أنه استئناف معترض ) يرد عليه أن الاعتراض هو أن يؤتى في أثناء كلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لنكته ، سوى دفع الإيهام فهو بيان التتميم لأنه إنما يكون بفضلة والفضلة لا بد لها من إعراب ، وبيان التكميل لأنه إنما يكون لدفع إيهام خلاف المقصود وما نحن فيه ليس من هذا القبيل لأنه لم يقع في أثناء كلام ولا بين كلامين متصلين معنى فجعله اعتراضا مبني على مذهب من جوّز وقوع الاعتراض آخر جملة لا يليها جملة متصلة بها ، إما بأن لا تلي الجملة أخرى أصلا فيكون الاعتراض