فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من اللّه والتمتع بنعيم الجنة .
وَيَسْتَبْشِرُونَ
ويسرّون بالبشارة
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا
شرح
ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في صفة الشهداء : « إن أرواحهم في أجواف طيور خضر وإنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش » . فلما رأوا طيب مطعمهم ومسكنهم ومشربهم قالوا : يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع اللّه بنا كي يرغبوا في الجهاد فقال اللّه تعالى : أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم . ففرحوا بذلك واستبشروا . فأنزل اللّه هذه الآية . وقال جابر بن عبد اللّه الأنصاري رضي اللّه عنه : قتل أبي يوم أحد وترك لي بنات فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أبشرك يا جابر » ؟ قلت : بلى يا رسول اللّه . قال : « إن أباك أصيب بأحد فأحياه اللّه تعالى » وكلّمه « شفاها » أي مقابلا ومواجها فقال : يا عبد اللّه سلني ما شئت .
فقال : أسألك أن تعيدني إلى الدنيا فاقتل فيك ثانيا . فقال : يا عبد اللّه قد قضيت أن لا أعيد إلى الدنيا خليقة قبضتها . قال : يا رب فمن يبلغ ، قومي ما أنا فيه من الكرامة . قال اللّه تعالى : « أنا » فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . والذين أثبتوا هذه الحياة للأجساد اختلفوا ؛ فقال بعضهم : إن اللّه يصعد أجساد هؤلاء الشهداء إلى السماوات وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها . ومنهم من قال : يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات والكرامات إليها . وبعض الناس أورد عليه وطعن فيه فقال : إنا نرى أجساد هؤلاء الشهداء قد تأكلها السباع ونرى أيضا أجسادهم تبقى أياما إلى أن تتفسخ وتتفصل أعضاؤها فعود الحياة إليها مستبعد ، وإن جوزنا كونها حية عاقلة متنعمة لزم القول بالسفسطة . وقيل : القول بأنهم أحياء ليس المراد به أنهم أحياء حقيقة بل هو مجاز عن حسن عاقبتهم فإن الميت إذا كان عظيم المنزلة في الدين وكانت عاقبته يوم القيامة إلى السعادة والكرامة صح أن يقال إنه حي وليس بميت ، كما يقال : في الجاهل الذي لا ينفع نفسه ولا غيره إنه ميت وكما يقال للبليد إنه حمار وللمؤذي إنه سبع .
قوله : ( ويستبشرون ) معطوف على قوله :فَرِحِينَعطف الفعل على الاسم لكون الفعل في تأويل الاسم كأنه قيل : فرحين ومستبشرين ونظيره قوله تعالى :أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ[ الملك : 19 ] ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي وهم يستبشرون فتكون الجملة الاسمية حالا من الضمير المستكن في « فرحين » أو من العائد المحذوف منآتاهُمُولا يجوز أن يكونيَسْتَبْشِرُونَحالا لأن المضارع المثبت لا يقع حالا مع الواو . ويجوز أن تكون هذه الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، وبناء استفعل هنا ليس للطلب بل هو بمعنى المجرد نحو : استغنى اللّه وقد سمع بشر الرجل بكسر العين