الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه فإنه إذا كان كل كاسب مجزيا بعمله فالغالّ مع عظم جرمه بذلك أولى .
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
( 161 ) فلا ينقص ثواب مطيعهم ولا يزاد في عقاب عاصيهم .
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ
بالطاعة
كَمَنْ باءَ
رجع
بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
بسبب المعاصي
وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
( 162 ) الفرق بينه وبين المرجع أن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ولا كذلك المرجع .
شرح
عليه في التحقق مع اشتراك كل واحد منهما في كونه جواب قوله :وَمَنْ يَغْلُلْإلا أنه عدل عن هذا الأسلوب وبيّن أن كل كاسب لا بد أن يجازى سواء كان غالا أو غيره لما ذكر من الفائدة . ثم إنه تعالى لما بيّن أنه لا بد أن يجازي كل كاسب بيّن أن جزاء المطيع لا يماثل جزاء العاصي فقال :أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِالآية الهمزة فيه للإنكار والفاء للعطف على محذوف ، والتقدير أمن اتبع فاتبع رضوان اللّه ، وقوله تعالى :هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِجملة اسمية إما من قبيل التشبيه البليغ فالمعنى هم في اتباع الرضوان وقسمهم في تفاوت الجزاء على كسبهم مثل الدرجات في تفاوتها ، وإما على حذف المضاف أي ذوو درجات وأصحاب منازل ورتب في الثواب والعقاب وقوله :عِنْدَ اللَّهِمتعلق بدرجات باعتبار تضمنها معنى الفضل . كأنه قيل : هم متفاضلون عند اللّه أي في حكمه وعلمه وقضائه كما يقال : هذه المسألة عند الإمام الشافعي كذا وعند أبي حنيفة كذا . وضميرهم راجع إلى « من » في قوله :فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِلأنه في معنى الجمع . ويجوز أن يرجع إلى باء في قوله :كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ[ آل عمران : 162 ] وإلى مجموعهما لأن كل واحد من أهل الثواب والعقاب وكذا مجموعهما درجات على حسب أعمالهم . ولفظ الدرجات يؤيد الأول لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب والدركات في أهل العقاب . ويؤيده أيضا أنه أضاف هذه الدرجات إلى نفسه وإنما يضيف إلى نفسه ما كان من قبيل الثواب والرحمة . قال تعالى :كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ[ الأنعام : 54 ] ويؤيد أيضا رجوعه إلى من « باء »بِسَخَطٍكونه أقرب . وذهب إليه الحسن حيث قال : المراد به أن أهل النار متفاوتون في العذاب لقوله تعالى :وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا[ الأنعام : 132 ] وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن منها ضحضاحا وغمرا وأنا أرجو أن يكون أبو طالب في ضحضاحها » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أقل أهل النار عذابا له نعلان من نار يغلي من حرهما دماغه ينادي : يا رب هل يعذب أحد عذابي » ؟ ويؤيد رجوعه إلى الكل أن مراتب الخلق في المعاصي والطاعات متفاوتة فوجب أن تتفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب لقوله تعالى :فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ