تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من اللّه وهو ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق بهم حتى اغتم لهم بعد أن خالفوه .
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
سيىء الخلق جافيا
غَلِيظَ الْقَلْبِ
قاسية
لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
لتفرقوا عنك ولم يسكنوا إليك
فَاعْفُ عَنْهُمْ
فيما يختص بك
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
فيما للّه
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
أي في أمر الحرب إذ الكلام فيه أو فيما يصح أن يشاور فيه استظهارا برأيهم وتطييبا لنفوسهم وتمهيد السنّة المشاورة للأمة .
فَإِذا عَزَمْتَ
فإذا وطّنت نفسك على شيء بعد الشورى
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
في إمضاء
شرح
ذلك الألم لرقة قلبه فلو لم يوجد شيء من هذه الأغراض لم يرحم البتة ، وأما الحق تعالى فهو الذي يرحم غيره لا لغرض من هذه الأغراض فلا رحمة إلا اللّه تعالى . قوله : ( وهو ربطه على جأشه ) أي ربط اللّه تعالى على قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو عبارة عن جعله إياه بحيث يحتمل المكروه ولا يتضرر . يقال : فلان رابط الجأش أي شديد القلب كأنه يربط نفسه عن الفرار بشجاعته . وإنما جعل الرفق ولين الجانب مسببا عن ربط الجأش لأن من ملك نفسه عند الغضب كان كامل الشجاعة حيث يكسر سورة الغضب الموجب لغلظة القلب فلا جرم يحصل الرفق واللين . قال الواحدي : الفظ الغليظ الجافي يقال : فظ يفظ فظاظة فهو فظ أصله فظظ . واتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند اللّه لم يجز للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يشاور فيه الأمة لأنه إذا جاء النص بطل الرأي . وقال الكلبي وأكثر العلماء على أن المشاورة إنما هي في الحروب قال : لأن الألف واللام في لفظ الأمر ليسا للاستغراق بناء على أن ما نزل فيه الوحي لا يجوز فيه المشاورة فوجب أن يكون التعريف للعهد والمعهود السابق في هذه الآية أمر الحرب . قوله تعالى :( فَإِذا عَزَمْتَ )أي إذا أردت إمضاء ما أشاروا به عليك وقد وطنت نفسك عليه فتوكل على اللّه لا على مشاورتهم والتوكل تفويض الأمر إلى اللّه والاعتماد على كفايته . قيل : من التوكل أن لا تطلب لنفسك ناصرا غير اللّه تعالى ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك مشاهدا غيره . قال الإمام : دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه كما يقول بعض الجهال وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيا للأمر بالتوكل بل هو أن يراعي الإنسان الأعمال الظاهرة ولكن لا يعوّل بقلبه عليها بل يعول على عصمة الحق . والجمهور على فتح التاء من عزمت خطابا له صلّى اللّه عليه وسلّم . وقرأ عكرمة وجعفر الصادق وجابر بن زيد بضم التاء على أنه تعالى قال له صلّى اللّه عليه وسلّم : إذا عزمت أنا فتوكل عليّ . قال الإمام : وهذا ضعيف من وجهين : الأول أنه لا يجوز وصفه تعالى بالعزم فيجب أن يقال : العزم ههنا بمعنى الإيجاب والإلزام ، والمعنى وشاورهم في الأمر فإذا عزمت على شيء فأرشدتك إليه فتوكل عليّ ولا تشاور بعد ذلك أحدا ، والثاني أن القراءة التي لم يقرأ بها أحد من الصحابة
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 200 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين