إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا
يعني إن الذين انهزموا يوم أحد إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان طلب منهم الزلل فأطاعوه واقترفوا ذنوبا بترك المركز والحرص على الغنيمة أو الحياة ومخالفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فمنعوا التأييد وقوة القلب . وقيل : استزلال الشيطان توليهم وذلك بسبب ذنوب تقدمت لهم فإن المعاصي يجرّ بعضها بعضا كالطاعة . وقيل : استزلهم بذكر ذنوب سلفت منهم فكرهوا القتل قبل إخلاص التوبة والخروج من المظلمة .
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
لتوبتهم واعتذارهم .
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
للذنوب
حَلِيمٌ
( 155 ) لا يعاجل في عقوبة المذنب كي يتوب .
شرح
لذنوبكم فتمحصكم عن تبعات المعاصي والسيئات . وفسر المصنف ما في الصدور بالسرائر المختفية فيها من الإخلاص والنفاق وهما مختفيان في القلب إلا أن القلوب لما كانت مستقرة في الصدور لقوله تعالى :الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[ الحج : 46 ] كانت سرائر القلوب سرائر الصدور بواسطة القلوب . ولما عبّر عن الإظهار والكشف تارة بالابتلاء وتارة بالتمحيص عبّر عن السرائر المختفية في الإنسان تارة بما في الصدور وتارة بما في القلوب تعنتا في العبارة وقصدا لمزيد الكشف والبيان . وإن أريد بما في القلوب ما يتناول العقائد والنيات الصحيحة والفاسدة والوسواس والشكوك والشبهات الزائغة يكون اختلاف عبارتي ما في الصدور ، وما في القلوب للتنبيه على اختلاف ما تعلق بهما وأن التعلق بما في الصدور هو الإظهار للخلق والتعلق بما في القلوب هو تطهير ما فيها من الأمور الصحيحة المقبولة عما فيها من الأمور الفاسدة كالشكوك والشبهات ونحو ذلك من الضمائر الفاسدة .
قوله : ( إنما كان السبب في انهزامهم الخ ) اختار في معنى الآية أن يكون المراد بالزلل الذي تضمنه قوله تعالى :اسْتَزَلَّهُمُهو الذنوب المقتضية إلى التولي والانهزام وهي الذنوب التي عبر عنها بقوله :بِبَعْضِ ما كَسَبُوافإنه إذا قيل استزل بكذا جاز أن يكون الزلل المطلوب مدخول الباء وأن يكون غيره . والزلل المطلوب ههنا هو مدخول الباء والشيطان لما دعاهم إليه فأطاعوه فيما دعاهم وقعوا فيه ولم يبق لهم استحقاق التأييد الأهم فمنعوا التأييد المذكور وقوة القلب فتولوا وانهزموا . فالجار والمجرور أي ببعض ما كسبوا في موضع البيان والتقرير لذلك كأنه قيل : دعاهم إلى الزلل وأوقعهم فيه بأن أطاعوه واقترفوا الذنوب بمخالفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أمره بالثبات في المركز والحرص على الغنيمة . قوله : ( وقيل استزلال الشيطان توليهم ) في العبارة توسع لأن الاستزلال هو طلب الزلل والإيقاع فيه لا نفس الزلل . والمراد أن الزلل الذي تضمنه استزلهم هو نفس توليهم وانهزامهم فرارا من الوصف الذي أمر المؤمنون بالثبات عليه . والمراد بعض ما كسبوا الذنوب السابقة وليس معنى كونها سببا