ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً
أنزل اللّه عليكم الأمن حتى أخذكم النعاس . وعن أبي طلحة غشينا النعاس في المصافّ حتى كان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه . والأمنة الأمن نصب على المفعول ، ونعاسا بدل منها أو هو المفعول ، وأمنة حال منه متقدمة أو مفعول له أو حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن كبارز وبرزة . وقرىء أمنة بسكون الميم كأنها المرّة من الأمن
يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ
أي الناس . وقرأ حمزة والكسائيّ بالتاء ردّا على الأمنة والطائفة المؤمنون حقّا .
وَطائِفَةٌ
هم المنافقون .
قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ
أوقعتهم أنفسهم في الهموم أو ما يهمهم إلا همّ أنفسهم وطلب خلاصها .
يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ
شرح
الغنيمة ثم بقوا محرومين منها وقتلت أقاربهم اغتم لأجلهم . والتثريب التعبير والاستقصاء في اللوم .
قوله : ( أنزل اللّه عليكم الأمن ) اعلم أن الذين كانوا مع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد فريقان :
أحدهما الذين كانوا جازمين بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم نبي حق وكانوا قد سمعوا منه صلى اللّه عليه وسلم أن اللّه ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال ، فلا جرم كانوا آمنين فبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس لقوة وثوقهم باللّه تعالى وفراغهم من الدنيا فلذلك سلموا من الخوف والاضطراب حتى غشيهم النعاس . والفريق الثاني وهم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته صلّى اللّه عليه وسلم وما حضروا إلا لطلب الغنيمة فهؤلاء اشتد خوفهم . وذكر في إعراب الأمنة أربعة أوجه : الأول أنها مفعول « أنزل » و « نعاسا » بدل اشتمال لأن كلا من الأمنة والنعاس يشتمل على الآخر . والثاني أنها حال من نعاس لأنها في الأصل صفة « نعاسا » فلما تقدمت انتصبت حالا والثالث أنها مفعول به ، وفيه نظر لاختلال شرط نصبه وهو اتحاد الفاعل فإن فاعل « أنزل » غير فاعل « الأمنة » والرابع أنها حال من المخاطبين في « عليكم » وفيه حينئذ تأويلان : أحدهما : حذف المضاف أي ذوي أمنة وثانيهما : كونه جمع « آمن » نحو بررة وكفرة في جمع بارّ وكافر .
قوله تعالى :( وَطائِفَةٌ )مبتدأ حذف خبره أي ومنكم طائفة وجاز الابتداء بالنكرة لتقدم الحكم ولتخصصها بالوصف . والجملة في محل النصب على أنها حال من مفعول يغشى والجملتان « بعد طائفة » صفتان لها أو يكون « يظنون » حالا من مفعول « أهمتهم » أو صفة أخرى « لطائفة » . قوله : ( أوقعتهم أنفسهم في الهموم أو ما يهمّهم إلا همّ أنفسهم ) يقال : أهمه الشيء أي أقلقه وأحزنه ، وأهمه الأمر إذا كان مهمّا معتنى بشأنه . فالأول من الأول والثاني من الثاني والحصر مستقاد من المقام لأن من كان مهتما بنفسه مشتغلا بشأنه كما في مثل تلك