وكان كذلك حتى خالف الرماة فإن المشركين لما أقبلوا جعل الرماة يرشقونهم بالنبل والباقون يضربونهم بالسيف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم .
إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ
تقتلونهم من أحسّه إذا أبطل حسّه .
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
جنبتم وضعف رأيكم أو ملتم إلى الغنيمة ، فإن الحرص من ضعف العقل .
وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ
يعني اختلاف الرّماة حتى انهزم المشركون فقال بعضهم : فما موقفنا ههنا . وقال آخرون : لا نخالف أمر الرسول فثبت مكانه أميرهم في نفر دون العشرة ونفر الباقون للنهب . وهو المعنيّ بقوله :
وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ
من الظفر والغنيمة وانهزام العدوّ وجواب إذا محذوف وهو امتحنكم
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا
وهم التاركون المركز للغنيمة
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
وهم الثابتون محافظة على أمر الرسول .
شرح
مِنَ الْمَلائِكَةِ[ آل عمران : 125 ] ولما كان النصر الموعود مشروطا بالصبر والتقوى كان تحققه على حسب تحقق شرطه فحين أتوا ببعض ذلك الشرط لا جرم وفّى اللّه بالمشروط وأعطاهم النصرة ، ولما تركوا بعض الشروط لا جرم فاتهم المشروط . ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم بأحد قال ناس من الصحابة : من أين أصابنا هذا ؟ وقد وعدنا اللّه عز وجل النصر . فأنزل اللّه هذه الآية . وفعل الصدق يتعدّى إلى مفعولين : إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر بواسطة « في » وقد تحذف كما في هذه الآية ، والتقدير : صدقكم في وعده يقال :
صدقته في الحديث وصدقته الحديثوإِذْ تَحُسُّونَهُمْمعمول « لصدقكم » والتقدير :
صدقكم في وعده في ذلك الوقت وهو وقت حسهم أي قتلهم . قال الليث : الحس القتل فمعنىتَحُسُّونَهُمْتقتلونهم قتلا كبيرا . قال أصحاب الاشتقاق : حسه إذا قتله لأن إبطال حسه يكون بالقتل كما يقال : بطنه إذا أصاب بطنه ، ورأسه إذا أصاب رأسه ، وقوله :بِإِذْنِهِأي ملتبسين بمشيئته على أنه حال من فاعل « تحسونهم » . قوله : ( أو ملتم إلى الغنيمة ) قبل الفشل إما مستعمل في أصل معناه وهو الضعف ، أو هو مجاز عن الحرص المسبب عنه . قوله تعالى :( وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ )قيد العصيان بما بعده تنبيها على عظم المعصية لأنهم لما شاهدوا أن اللّه أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية . وقوله تعالى :ثُمَّ صَرَفَكُمْعطف على ما قبله وهووَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ[ آل عمران : 152 ] والجملتان من قوله :مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَاعتراض بين المتعاطفين . وقال أبو البقاء :ثُمَّ صَرَفَكُمْمعطوف على الفعل المحذوف يعني الذي قدره جوابا لقوله :إِذا فَشِلْتُمْولا حاجة إليه .