ذلك . والقصد في أمثاله ونقائضه ليس إلى إثبات علمه تعالى ونفيه بل إلى إثبات المعلوم ونفيه على طريقة البرهان . وقيل : معناه ليعلمهم علما يتعلّق به الجزاء وهو العلم بالشيء موجودا .
شرح
قوله : ( والقصد في أمثاله ونقائضه ) جواب عما يقال : أمثال هذه الآية تدل بظواهرها على أن يكون علمه تعالى معللا بما يتوقف عليه ونقائضها تدل بظواهرها على أن علمه تعالى عير محيط بجميع المعلومات وكلاهما بيّن الاستحالة . فمن أمثالها قوله تعالى :وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ[ العنكبوت : 3 ] وقوله :ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً[ الكهف : 12 ] وقوله :وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ[ محمد : 31 ] وقوله :لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ[ البقرة : 143 ] وقوله :لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[ هود : 7 ] ومن نقائضها قوله تعالى :أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[ آل عمران : 142 ] وقد احتج الحكم بن هشام بهذه الآية على أنه لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها . وأجاب المتكلمون عنه بأن الدلائل العلمية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها فثبت أن التغير في العلم محال إلا أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور يقال : هذا علم فلان أي معلومه وهذه قدرة فلان أي مقدوره . وكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم وما أشعر منها بنفي العلم فالمراد نفي المعلوم على طريقة البرهان لأن علمه تعالى بالشيء من لوازم تحقق ذلك الشيء . ولا شك أن عدم اللازم برهان لعدم الملزوم فإن وجه اللازم يكنى به عن تحقق الملزوم فذلك فسر قوله :وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ[ آل عمران : 142 ] بقوله : « ولما تجاهدوا » وأشار إلى جواب هذا الإشكال أولا بقوله : « وليتميز الثابتون على الإيمان » ومحصوله أن العلم مجاز عن التمييز بطريق إطلاق اسم المسبب على المسبب فالمعنى ليتميز الإخلاص من النفاق والمؤمن من الكافر . قوله : ( وقيل معناه ) أي قيل في الجواب عن كون الآية مستلزمة لحدوث علمه تعالى وتجدده . إن معنى الآية ليعلم الذين آمنوا موجودين كما علم قبل وجودهم أنهم سيوجدون لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد ولا يلزم منه تجدد علم اللّه تعالى وحدوثه ولا كون ذاته تعالى محلا للحوادث ، لأن التغيير والحدوث إنما هو في تعلق العلم لا في نفسه . فإن صفات البارىء تعالى منها إضافات لا وجود لها في الإيمان كتعلق العلم والقدرة والإرادة فإن هذه التعلقات إضافات محضة لا وجود لها في الإيمان وهي مبدلة متغيرة فتغيرها لا يستلزم تغير العلم والقدرة والإرادة . وقيل في الجواب : إن في الآية تقدير مضاف أي ليعلم أولياء اللّه ونسب علمهم إلى نفسه تفخيما لشأنهم والظاهر أن « من » في قوله تعالى :وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ