التخصيص بمكارمه . وفصل آية هؤلاء بقوله :
وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
( 136 ) لأن المتدارك لتقصيره كالعامل لتحصيل بعض ما فوّت على نفسه وكم بين المحسن والمتدارك والمحبوب والأجير ولعلّ تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذه النكتة . والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ونعم أجر العاملين ذلك يعني المغفرة والجنات .
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ
وقائع سنّها اللّه في الأمم المكذّبة كقوله تعالى :
وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ
[ الأحزاب : 61 ، 62 ] وقيل : أمم .
قال :
ما عاين الناس من فضل كفضلكمو * ولا رأوا مثله في سالف السنن
شرح
قوله : ( وقائع سنّها اللّه ) أي وضعها طريقة مسلكها على صفة الحكمة . والمراد أن اللّه تعالى بيّن معاملاته في الأمم المذنبة بالهلاك والاستئصال بدليل قوله تعالى :فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَلما وعد اللّه تعالى على الطاعة والتوبة بالمغفرة والجنة أعقبه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة والتوبة وهو تأمل أحوال القرون الماضية ممن أعرض عن الطاعة والإنابة وخالف الأنبياء والرسل حرصا على الدنيا وطلب لذاتها . فإنهم قد انقرضوا جميعا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة فرغب اللّه تعالى هذه الأمة المصدقين في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم إلى الثبات على الطاعة والإنابة والإعراض عن الاغترار بالحظوظ الفانية . وفيه تسلية للمؤمنين فيما أصابهم يوم أحد فإن الكفار وإن نالوا من المؤمنين بعض النيل لحكمة اقتضته فالعاقبة للمؤمنين قال تعالى :وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ[ الصافات :
171 ، 173 ]أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ[ الأنبياء : 105 ] ولو كانت النيلة كل مرة للمؤمنين لصار الإيمان ضروريا وهو خلاف ما تقتضيه الحكمة الإلهية . وقال مجاهد : بل المراد سنن اللّه تعالى في الكافرين والمؤمنين معا لا في الأمم المكذبة فقط فإن الدنيا لا تثبت مع المؤمنين ولا مع الكافرين ولكن المؤمن بعد موته له الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى ، بخلاف الكافر فإنه يبقى عليه اللعن في الدنيا والعقاب في العقبى . قوله :
( وقيل أمم ) أي قيل : المراد بالسنن الأمم استشهادا بقوله :( ما عاين الناس من فضل كفضلكمو * ولا رأوا مثلكم في سالف السنن )ولا دليل فيه على ذلك الاحتمال أن يكون معناه أهل السنن كما قال الزجاج في تفسير هذه الآية : المعنى أهل سنته ، فحذف المضاف . قال أبو البقاء : أتى بالفاء فيفَسِيرُوالأن المعنى على الشرط أي إن سلكتم فسيروا . وقوله :كَيْفَ كانَخبر قدم على المبتدأ وهو