تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
عنها
تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ
تنزلهم أو تسوّي وتهيئ لهم ، ويؤيده القراءة باللام . ( مقعد للقتال ) مواقف وأماكن له . وقد يستعمل المقعد والمقام بمعنى المكان على الاتساع كقوله تعالى :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ
[ القمر : 55 ] وقوله تعالى :
قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ
[ النمل : 39 ]
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
لأقوالكم
عَلِيمٌ
( 121 ) بنيّاتكم . روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء ثاني عشر شوّال سنة ثلاث من الهجرة فاستشار الرسول عليه الصلاة والسّلام أصحابه وقد دعا عبد اللّه ابن أبيّ ابن سلول ولم يدعه من قبل فقال هو وأكثر الأنصار : أقم يا رسول اللّه بالمدينة ولا تخرج إليهم . فو اللّه ما خرجنا منها إلى عدوّ إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلّا أصبنا منه فكيف وأنت فينا ؟ فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشرّ محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال ورماهم النساء والصبيان بالحجارة وإن رجعوا رجعوا خائبين . وأشار بعضهم إلى الخروج فقال عليه السّلام : « إني رأيت في منامي بقرة مذبوحة حولي فأوّلتها خيرا ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأوّلته هزيمة ورأيت كأنّي أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم » فقال رجال فاتتهم بدر وأكرمهم اللّه بالشهادة يوم أحد : أخرج بنا إلى أعدائنا . وبالغوا حتى دخل فلبس لامته فلما رأوا ذلك ندموا على مبالغتهم وقالوا : اصنع يا رسول اللّه ما رأيت فقال : « لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل » فخرج بعد صلاة الجمعة وأصبح بشعب أحد يوم السبت ونزل
شرح
يصبروا ، ظهر أن المقصود من إيرادها تقرير قوله :وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً[ آل عمران : 120 ] . وفي انتظام الآية بما قبلها وجه آخر وهو أن الإفك الواقع يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد اللّه بن أبي ابن سلول المنافق وذلك يدل على عدم جواز اتخاذ المنافق بطانة فيكون تقريرا للنهي عنه . قوله : ( أي تنزلهم ) فيتعدى إلى مفعوليه بنفسه من غير اعتبار الحذف والإيصال وإن كان « تبوىء » بمعنى تسوى فهو يتعدى إلى الثاني بواسطة اللام فيكون ما في الآية مبنيّا على الحذف والإيصال ، ويؤيده قراءة عبد اللّه « تبوىء للمؤمنين » باللام الجارة والجملة حال مقدرة من فاعل غدوت أي غدوت قاصدا تبوئة المؤمنين لأن وقت الغدو ليس وقتا للتبوئة ، ويحتمل أن يكون مشارفه لأن الزمان متسع ومقاعد جمع مقعد وهو اسم لمكان القعود عبر به عن الأماكن التي عين لكل واحد من الصحابة أن يثبت فيها إما بأن يتسع في استعمال المقعد لمجرد المكان مع قطع النظر عن كونه مكان القعود كما في قوله :فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ[ القمر : 55 ] وإما لأن كل مكان إنما عين لصاحبه لأن يقعد وينظر فيه إلى أن يجيء العدو فيقوم عند الحاجة للمحاربة فسميت تلك الأماكن بالمقاعد لهذا الوجه . وقوله :لِلْقِتالِمتعلق « بتبوىء » أي تهيئ لهم مواطن وأماكن لأجل مقاتلة الكفار أو متعلق بمحذوف هو صفة لمقاعد أي مقاعد كائنة ومهيئة للقتال ، ولا يجوز تعلقه بمقاعد