في عدوة الوادي وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وسوّى صفهم وأمر عبد اللّه بن جبير على الرّماة وقال : « انضجوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا » .
إِذْ هَمَّتْ
متعلق بقوله : سميع عليم أو بدل من إذ غدوت .
طائِفَتانِ مِنْكُمْ
بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحي العسكر
أَنْ تَفْشَلا
أن تجبّنا وتضعفا . روي أنه عليه السّلام خرج في زهاء ألف رجل ووعد لهم
شرح
وإن كانت مشتقة لأنها مكان والأمكنة لا تعمل . قوله : ( انضحوا عنا ) النضح الدفع يقال : هو ينضح عن فلان أي يذب عنه ويدفع . ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه : « اثبتوا في هذا المقام وإذا عاينوكم وولوكم الأدبار فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام كيلا يتمكنوا من أن يأتونا من ورائنا » . ثم اختزل عبد اللّه وبقي المسلمون حتى هزموا المشركين فطمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر وطلبوا المدبرين وتركوا الموضع الذي أمرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالثبات فيه ثم اشتغلوا بطلب الغنائم . فلما خالفوا أمره صلّى اللّه عليه وسلّم انهزموا ليعلموا أن ما وقع يوم بدر إنما حصل ببركة صبرهم وطاعتهم للّه ولرسوله ، فلما لم يصبروا على طاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أمرهم به ولم يتقوا عاقبة مخالفته تركهم اللّه تعالى مع عدوهم فلم يقووا لهم حيث نزع اللّه الرعب من قلوب المشركين فكرّ عليهم المشركون وتفرق العسكر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى بقي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سبعة من الأنصار ورجلان من قريش . وقصد الكفار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فشجوا رأسه وكسروا رباعيته وثبت معه صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذ طلحة ووقاه بيده فشلت أصبعاه وصار مجروحا في أربعة وعشرين موضعا ، ولما أصيب صلّى اللّه عليه وسلم بما أصابه من الشج وكسر الرباعية وغلب عليه الغشي احتمله ورجع به القهقرى ، وكلما أدركه واحد من المشركين كان يضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويقاتله حتى أوصله إلى مكان فيه جملة من الصحابة فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « أوجب طلحة » فوقعت الصيحة في العسكر .
أن محمدا قد قتل ، وكان في جملة من معه من الصحابة رجل من الأنصار يكنى أبا سفيان فنادى الأنصاري وقال : هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فرجع إليه المهاجرون والأنصار وكان قد قتل منهم سبعون وكثرت فيهم الجراح فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « رحم اللّه رجلا ذب عن إخوانه . وشد على المشركين بمن معه حتى كفهم عن القتلى والجرحى وأعانهم اللّه تعالى حتى هزموا الكفار » . وقوله تعالى :وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[ آل عمران : 121 ] معناه أنه صلّى اللّه عليه وسلم لما شارو أصحابه في تلك الحرب وقال بعضهم : أقم بالمدينة . وقال آخرون :
اخرج إليهم . وكان لكل أحد غرض في قوله فمن موافق ومن منافق قال تعالى : أنا سميع بما يقولون عليم بما يسرون .
قوله : ( في زهاء ألف رجل ) أي قدره . والشوط اسم موضع . قيل في سبب اختزال