تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
وهذه الآية من المغيّبات التي وافقها الواقع إذ كان كذلك حال قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر .
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
هدر النفس والمال والأهل أو ذلّ التمسك بالباطل والجزية .
أَيْنَ ما ثُقِفُوا
وجدوا
إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ
شرح
ترجيج قراءة الرفع لأن عدم منصوريتهم على قراءة الجزم يكون مقيدا بمقاتلتهم المسلمين لأن المعطوف على جواب الشرط يجب أن يكون مقيدا بما قيد به نفس الجواب . وأما على قراءة الرفع فلا يكون مقيدا بها ولا يخفى أنه لا وجه لكونه مقيدا لأنهم غير منصورين قاتلوا أم لم يقاتلوا فتكون قراءة الرفع أرجح وأوفق بالمقام . قوله : ( وهذه الآية من المغيبات ) أي المشتملة على الإخبار عن الغيوب المتعددة وصفت الآية بوصف مدلولها ومن تلك المغيبات كون المؤمنين آمنين من ضررهم ، ومنها أنهم لو قاتلوا المسلمين لانهزموا ، ومنها أنهم لا يحصل لهم قوة وشوكة بعد الانهزام وتولية الأدبار وكل هذه الأخبار وقعت كما أخبر اللّه تعالى عنه . فإن اليهود لم يقاتلوا إلا انهزموا وما عزموا على محاربة وطلب رياسة إلا خذلوا ، وكل ذلك إخبار عن الغيب على وجه صدقه الواقع فيكون معجزا . فإن قيل : هب أن ما وقع من أمر اليهود موافق لمدلول هذه الآية لكن ما وقع من حال النصارى غير موافق له فما وجه صحة هذه الآية المصدرة بقوله :وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ[ آل عمران : 110 ] أجيب بأن اللام في الكتاب للعهد الخارجي والمعهود اليهود عمدوا إلى من آمن منهم وهم عبد اللّه بن سلام وأصحابه رضي اللّه عنهم فآذوهم . فنزلت هذه الآية . قوله تعالى :( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا )أي في أي مكان وأي زمان وجدوا في دار الإسلام ألزموا الذل بحيث صار كشيء يضرب على الشيء فيحيط به ، وقوله :« أَيْنَ ما »أداة شرط و« ثُقِفُوا »في محل الجزم بها وجواب الشرط محذوف أي أينما ثقفوا غلبوا وذلوا بدلالة قوله :ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُعليه وعند من يجوّز تقديم جواب الشرط عليه يكون نفس « ضربت » هو الجواب . قيل : المراد بهذا الذل أن يحاربوا ويقتلوا ويؤسروا وتغنم أموالهم وتسبى ذراريهم وتملك أراضيهم . وقيل : المراد ضرب الجزية عليه لأنه يوجب الصغار والذلة . وقيل : المراد به أنك لا ترى فيهم ملكا قاهرا ولا رئيسا معتبرا وإنما تراهم مستحقرين في جميع البلاد ذليلين مهانين . وقيل : المراد به كونهم أدلاء فيما بين المسلمين المؤمنين بسبب كفرهم وتمسكهم بالدين المنسوخ بل بالطريقة المخترعة الباطلة في نفسها . والظاهر إبقاء الذل على عمومه إذ لا وجه لتخصيصه بلا مخصص .