وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
يتضمن الإيمان بكل ما أمر أن يؤمن به وإنما أخّره وحقه أن يقدّم لأنه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيمانا باللّه وتصديقا به وإظهارا لدينه . واستدلّ بهذه الآية على أن الإجماع حجة لأنها تقتضي كونه آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر إذ اللام فيهما للاستغراق فلو أجمعوا على باطل كان أمرهم على خلاف ذلك .
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ
إيمانا كما ينبغي .
لَكانَ خَيْراً
لكان الإيمان خيرا
لَهُمْ
ممّا هم عليه .
مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
كعبد اللّه بن سلام وأصحابه .
وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ
( 110 ) المتمرّدون في الكفر وهذه الجملة والتي بعدها واردتان على سبيل الاستطراد .
شرح
قوله : ( وإنما أخّره ) أي أخر الإيمان باللّه في الذكر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع أن حق الإيمان باللّه أن يقدم على كل الطاعات لأن شيئا منها لا يقبل بدون الإيمان . وتقرير الجواب أن الإيمان مع أنه أصل الخيرات وأساس الطاعات أخر في الذكر إشعارا بأنه لا مدخل له في خيرية هذه الأمة على سائر الأمم لكونه قدرا مشتركا بين الكل وإنما ذكر مقرونا بأسباب خيريتهم لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يصر شيء من الطاعات مؤثرا في صفة الخيرية . فثبت أن الموجب لهذه الخيرية هو كونهم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر وأن إيمانهم باللّه هو الذي حملهم على ذلك السبب وهو شرط لتأثيره . قوله : ( إيمانا كما ينبغي ) فإنهم وإن آمنوا باللّه وببعض كتبه ورسله إلا أن هذا المقدار من الإيمان لا يعتد به ولا ينجي من الخلود في النار بل لا بد من الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به ومن جملته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قوله : ( وهذه الجملة والتي بعدها ) أولاهما قوله :مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَوأخراهمالَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَوالاستطراد أن يكون المتكلم في فن من الكلام فيسنح له فن آخر يناسبه ، كما إذا كنت في حكاية زيد وبيان أنه يفعل كذا وكذا ثم سنح لك أن تقول : وعلى ذكره فإنه رجل كريم شأنه كذا وكذا ، فإنه لا شك أن قولك وعلى ذكره فإنه كيت وكيت مذكورا استطرادا عدلت إلى ذكر أوصافه وأنت في صدد بيان أفعاله . فكذا الحال في الآية الكريمة فإن الكلام مسوق لبيان أن أهل الكتاب لو آمنوا وأمروا بالمعروف كما أمروا لكان خيرا لهم ، وهاتان الجملتان لا ارتباط لهما بذلك فلا وجه للعطف ولم يعطف الاستطراد الثاني على الأول لتباعد ما بينهما من حيث المعنى أي من حيث إن كل واحد منهما نوع آخر من الكلام .