تعالى :
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً *
آيات كثيرة . وقيل : كنتم في علم اللّه أو في اللوح المحفوظ أو فيما بين الأمم المتقدمين
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
أي أظهرت لهم
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
استئناف بيّن به كونهم خير أمة أو خبر ثان لكنتم .
شرح
على الانقطاع وتحمل على كل واحد منهما بحسب معاونة المقام بدلالة القرائن فقولك : كان زيد قائما محمول على الانقطاع وقوله تعالى :وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً *آيات كثيرة .
محمول على الدوام . ثم اختلفت عبارات المفسرين في تصوير كون « كان » للدلالة على وجود الشيء على صفة في الزمان الماضي فمنهم من قال في تصوير المعنى : كنتم في علم اللّه .
ومنهم من قال : كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة . فالآية حينئذ نظير قوله تعالى :أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً[ الفتح : 29 ] إلى قوله :ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ[ الفتح : 29 ] والظاهر أن قوله :أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِفي محل الجر على أنه صفة « لأمة » وأن قوله :تَأْمُرُونَيحتمل أن يكون خبرا ثانيا ل « كنتم » ويحتمل أن يكون حالا وأن يكون جملة مستأنفة بين بها كونهمخَيْرَ أُمَّةٍقيل : السبب في كونهم خير الأمم هذه الخصال الحميدة والمقصود بيان علة تلك الخيرية كقولك : زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم لأن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يشعر بالعلية . فههنا لما ذكر عقيب الخيرية أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر علم أن تلك الخيرية معللة بهذا السبب فإن قيل : هذه الخصال الثلاث : وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان باللّه كيف تكون علة لخيرية هذه الأمة على سائر الأمم مع كونها حاصلة في سائر الأمم أيضا ؟ فالجواب ما قاله القفال : تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بأكد الوجوه وهو القتال لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد ، وأقواها ما يكون بالقتال لأنه إلقاء النفس في خطر القتل وآكد المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة وأنكر المنكرات الكفر باللّه . فكان الجهاد في الدين تحملا لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أعظم المضار فوجب أن يكون الجهاد أقوى العبادات ، ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرايع لا جرم صار ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم . ثم قال القفال : وفائدة القتال على الدين لا ينكرها منصف لأن أكثر الناس يحبون أديانهم بسبب الألفة والعادة ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم فإذا أكره على الدخول في الدين بالتخويف بالقتل دخل فيه ثم لا يزال يضعف في قلبه ما كان من حب الباطل ولا يزال يقوى في قلبه حب الدين الحق إلى أن ينتقل من الباطل إلى الحق ومن استحقاق العذاب الدائم إلى استحقاق الثواب الدائم .