بعضهم ليدل على أنه واجب على الكل حتى لو تركوه رأسا أثموا جميعا ولكن يسقط بفعل بعضهم ، وهكذا كل ما هو فرض كفاية . أو للتبيين بمعنى وكونوا أمّة يأمرون بالمعروف كقوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
[ آل عمران : 110 ] والدعاء إلى الخير يعمّ الدّعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي وعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه عطف الخاص على العام للإيذان بفضله .
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( 104 ) المخصوصون بكمال الفلاح . روي أنه عليه الصلاة والسّلام سئل من خير الناس ؟ قال : « آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم للّه وأوصلهم للرحم » . والأمر بالمعروف يكون واجبا ومندوبا على حسب ما يؤمر به ، والنهي عن المنكر واجب كله لأن جميع ما أنكره الشرع حرام . والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه لأنه يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآجر .
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا
كاليهود والنصارى اختلفوا في التوحيد والتنزيه وأحوال الآخرة على ما عرفت .
مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
الآيات والحجج المبيّنة للحق الموجبة للاتفاق عليه والأظهر أن النهي فيه مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع ، لقوله عليه السّلام : « اختلاف أمتي رحمة » . ولقوله عليه الصلاة والسّلام :
« من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد » .
وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
( 105 ) وعيد للذين تفرّقوا وتهديد على التشبّه بهم .
شرح
عليه أو مندوبا ، ولا في العلم بكيفية إقامة تلك المراتب فإنه ينبغي للمحتسب أن يبتدئ بالأسهل الأخف فإن لم ينفع ترقى إلى الأصعب الأغلظ ولا في نفس التمكن ، فإن منهم من يتمكن من القيام بها بلسانه فقط ومنهم من يتمكن بلسانه ويده ومنهم من يتمكن بقلبه فقط .
قوله : ( والنهي عن المنكر واجب كله ) قال النحرير التفتازاني : فيه نظر إذ المكروه منكر يندب تركه ولا يجب وإلا لكان حراما .
قوله : ( كاليهود والنصارى ) ظاهر كلامه يشعر بأن التفرق والاختلاف بمعنى واحد وإنما ذكرا معا تأكيدا لأحدهما بالآخر والمراد تفرقهم في أمر الديانة بعدولهم عما نهج اللّه لهم وأوضح لهم الرسل فأبدعوا لأنفسهم أديانا مختلفة على حسب أهوائهم فقالت اليهود : الدين الحق اليهودية ، وقالت النصارى : بل هو النصرانية ، وقال كل واحد من الفريقين : لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا . واختلفوا في الأنبياء أيضا فكذب اليهود عيسى ومحمدا عليهما الصلاة والسّلام ، وكذب النصارى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقالت اليهود : عزير ابن اللّه وقالت