فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
متحابّين مجتمعين على الأخوة في اللّه . وقيل : كان الأوس والخزرج أخوين لأبوين فوقع بين أولادهما العداوة وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة حتى أطفأها اللّه بالإسلام وألّف بينهم برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم .
وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
مشفين على الوقوع في نار جهنم لكفرهم إذ لو أدرككم الموت في تلك الحال لوقعتم في النار .
فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها
بالإسلام ، والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا وتأنيثه لتأنيث ما أضيف إليه ، أو لأنه بمعنى الشفة فإن شفا البير وشفتها طرفها كالجانب والجانبة وأصله شفو فقلبت الواو في المذكر وحذفت في المؤنث
كَذلِكَ
مثل ذلك التبيين
يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ
دلائله
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
( 103 ) إرادة ثباتكم على الهدى وازديادكم فيه .
شرح
قوله : ( مشفين ) أي مشرفين فإن الإشفاء على الشيء والإشراف عليه بمعنى وهو الوصول إلى طرفه ، وشفا الشيء طرفه وحرفه . وهو مقصور من ذوات الواو يثنى بالواو نحو : شفوين ويكتب بالألف ويجمع على أشفاء ويستعمل مضافا إلى أعلى الشيء وإلى أسفله فمن الأول شفا جرف ومن الثاني هذه الآية وأشفى على كذا أي قاربه ومنه أشفى المريض على البرء . قوله : ( فأنقذكم منها ) أي خلّصكم ونجّاكم بدين الإسلام يقال : أنقذته واستنقذته أي خلصته . قوله : ( مثل ذلك التبيين ) يعني أن الكاف في موضع النصب على أنه صفة مصدر محذوف أي يبين اللّه لكم تبيينا مثل ذلك التبيين . قوله : ( إرادة ثباتكم على الهدى ) لما امتنع حقيقة الترجي في حقه تعالى وجب أن يحمل « لعل » على المعنى المجازي ولما كان بين الإرادة والترجي علاقة المشابهة كان حمل اللفظ على معنى الإرادة صحيحا في هذا المقام لأن الخطاب للمؤمنين الثابتين على الهدى فيكون ثباتهم على الهدى بخلق اللّه وإرادته . فإنه قد ذهب أهل الحق إلى أن الحوادث بأسرها من أفعال العباد وغيرها من الطاعة والمعصية والكفر والإيمان واقع بخلقه وإيجاده وإرادته ومشيئته ولا يجري في ملكه إلا ما يشاء ، ويريد لا كما زعمت المعتزلة من أن جميع الأفعال الصادرة منه تعالى واقعة بإرادته .
وأما أفعال العباد فإنه تعالى يريد منهم ما أمرهم به ويكره منهم ما نهاهم عنه من الكفر والعصيان فهما عندهم ليسا بإرادته تعالى فقد ثبت أن حمل اللفظ على معنى الإرادة صحيح فحمل عليه . نقل الإمام عن الجبائي أنه قال : الآية تدل على أنه تعالى يريد منهم الاهتداء .
ثم قال : أجاب الواحدي عنه في البسيط فقال : بل المعنى لتكونوا على رجاء هدايته . ثم قال : وأقول هذا الجواب ضعيف لأنه على هذا التقدير يلزم أن يريد اللّه تعالى منهم ذلك الرجاء ، ومن المعلوم أنه على مذهبنا قد لا يريد اللّه تعالى منهم ذلك الرجاء . ثم قال :
والجواب الصحيح أن كلمة « لعل » للترجي والمعنى : إنّا فعلنا فعلا يشبه فعل من يترجى